فان قيل : أفليس ذلك يوجب إذا كلف معاودة النظر الأول في هذه الأوقات ، أن يكون مستحقا للعقاب على أن لم يفعل النظر الثاني والثالث في أوقات قد كلف فيها أن يفعل غيرهما ، بل ضدهما ، وهذا لا يصح .
قيل له : انه قد استحق العقاب إذا لم يفعل النظر الأول على أن له أن يفعله ، وعلى أن لم يفعل سائر ما يلزمه من النظر في المستأنف فيصير في الوقت الأول في حكم التارك لجميعه ، فلا مدخل لهذه الأوقات فيما له تستحق العقاب / هذه المعارف . وينظر ويستدل ، فيخرج من أن يلزمه ذلك ، ويجب فيما بعد أن يفعل الشرعيات وسائر العقليات . فأما ما لم يفعل ذلك ، فإنه لا بدّ من أن يكلفه لما بيناه ، وفارق في هذا الوجه حال النظر لسائر الواجبات التي يبنى بعضها على بعض ، لأن فيها ما إذا فات الدخول فيه لم تلزم المعاودة ، وفيها ما تختلف الحال فيه في المكلف ، لأنه مما يستمر كونه لطفا في جميع المكلفين . فلذلك وجب في كثير من العبادات ، إذا فاتت ، أن تقضى ؛ ووجب في بعضها أن لا يقضى . واختلفت أحوالها ، ففيها ما إذا فات لزم له بدل ، وفيها ما لا يلزم له بدل . ثم البدل من ذلك ينقسم ، فربما كان من جنس ما فات ، وربما كان مخالفا له وانما صار كذلك لأنه تكليف مستأنف ولأنه في كونه لطفا لا يجب أن يستمر في كل المكلفين . وليس كذلك حال النظر ، لأنه وان كان تكليفا مستأنفا ففي كونه لطفا يجب أن تستمر أحوال المكلفين فيه ، فصار ما يجب فيه من المعاودة بمنزلة ما يجب ابتداء . فكما أن النظر ابتداء يجب على كل مكلف ، فكذلك معاودته تجب على كل مكلف قصّر في فعل النظر الأول . وليس كذلك الصوم وسائر العبادات ، لأنه كما يجب أن تتفق أحوال المكلفين
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 458
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٥٨