تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
هذا النظر في طريقه . فإذا كان كذلك ، خرج بهذه الصفة عما يقع باتفاق وحدس ، ولحق بالأفعال الواجبة التي تتميز عند من وجبت عليه عن غيرها . ألا ترى أنه لا يجوز أن يقاس على ما ذكره من الأمثال ، وحب الهرب من السبع ، بأن يقال : إذا لم يعلم الهارب الحال في هربه ، فيجب أن لا يلزمه ؛ أو يقال فيمن وجب من سلوك طريق ثان يقال : انه مسبع أولا ما فيه ، وأن سالكه يهلك . فان الواجب عليه أن يسأل ويبحث ، فلا يجوز أن يقال : انه لا تلزمه المسألة والبحث قياسا على ما ذكره من الأمور التي تقع باتفاق ؛ بل قيل في ذلك أنه يجب لأنه قد عرف طريقه ، وفصل بينه وبين غيره . فكذلك القول في النظر والمعرفة . وبين أن المعرفة ، وان لم يعلم الناظر أنها تصاب بعينها بالنظر ، فمتى علم من حال سببها ، وهو النظر ، ما ذكرناه ، فواجب عليه المعرفة بوجوب سببها ، من حيث يجب وجودها بوجوده وان لم يكن من قبل عالما بها . وبيّن أن ما علم وجوبه من السمعيات ، أو بعد ورود السمع من العقليات ، انما يجب على المكلف لعلمه بقبح تركه . وأن هذه الطريقة قائمة / في النظر والمعرفة ، فيجب القضاء بوجوبهما ، وان لم يرد السمع . فكما لا يقال في ذلك ، بعد ورود السمع ، أنه يجرى مجرى الحدس والتبخيت ، فكذلك القول فيه ولما ورد سمع . وبيّن أن سائر ما ضربه من الأمثال ، انما لم يجز أن يكون واجبا ، لأنه لا طريق لوجوبه يعرف . ولو عرف له طريق ، كما ذكرناه في النظر ، لصح أن يحثّ عليه استخراج الكنز من الآبار ، ولصح أن يحث عليه تجريب الذهب على المحك ، إلى غير ذلك . لكنه لمّا لم يكن له طريق