فصل آخر في الكلام عليه
اعلم ، أن أحد ما يعتمد في مذهبه أن نقول : ان النظر ووقوع المعرفة عنده ، يجرى في بابه مجرى ما يقع من الفعل بالحدس والاتفاق ، من غير قصد . وقد ثبت في كل فعل ، هذا حاله ، أنه لا يجوز أن يستحق به الذم والمدح ، ولا يدخل تحت التكليف ، وذلك نحو أن نحكّ الذهب على المحك فنجده جيدا أو رديئا . فاتفاق ذلك لا يصح تعلق المدح والذم به ؛ وان وافق ، في بعض الأحوال ، الإرادة ؛ وكذلك لو هجم على بئر فوجد فيها كنزا ، لم يجز بذلك مدح ؛ وإذا التفت ورأى من يسرّه لم يجز أن يستحق به المدح ؛ لما كانت هذه الأمور تقع بالاتفاق من غير معرفة متقدمة ، بأن الفعل يؤدى إليه .
قال : فكذلك النظر ، إذا لم يعرف فاعله من قبل ، أنه يؤدى إلى معرفة مخصوصة ، لم يجز أن يدخل تحت التكليف ، ولا أن يتعلق به ذم ولا مدح . ولهذا قال : لا يستحق الذم على المعصية الا بعد أن يعلم أنها موافقة لسخط اللّه ، تعالى ؛ والطاعة ، لا يستحق بها الثواب ، الا مع العلم بأنها توافق رضاه . وسلك هذه الطريقة في كلامه كثيرا ، وتنوع فيما يضرب فيه من الأمثال بحسب اقتداره / على الكلام . والمعنى ما أومأنا إليه .
واعلم ، أن الشيخ أبا على ، رحمه اللّه ، قد أجاب عن ذلك بأن قال :
ان النظر طريق معلوم للناظر يميزه من غيره ؛ وللناظر طريق يعلم به وجوب