يضرب فيألم ، ولا يحتاج إلى مقدمات ؟ وهذا أحد ما يعتمد عليه ، وذلك / أن ما نقوله في المعرفة لو كان صحيحا ، لحل محل الأسباب . فكما أنه متى وجدت ، والموانع مرتفعة ، وجب وجود المسبب ؛ فكذلك كان يجب ، متى أراد النظر ، أن يقع وتقع المعرفة من غير تقدم المعارف التي شرطها ، ومن غير اعتبار الفعل وغيره . فلما لم يصح ذلك دون اعتبار هذه الأمور الراجعة إلى أحوال الحي دون أحوال المحل والطبع ، دل ذلك على صحة ما قلناه من أن النظر والمعرفة هما فعل العبد ، وأنهما بمنزلة إرادة النظر ، وبمنزلة سائر تصرفه ، في الوجه الّذي ذكرناه ، وأن الحمد والذم يتعلق بذلك . فكذلك الأمر ، وقد أمر ، تعالى ، بالمعرفة فقال :
« اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ، وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
« 1 » ، إلى غير ذلك ؛ كما مدح على المعرفة ، وذم على الجهل ؛ فيجب أن يكون العلم بمنزلة سائر ما يقع منه من الأفعال .
وأحد ما يعظم به خطأ أبى عثمان ، في هذا الباب ، أنه يلزمه أن يقول ، في سائر من كذّب بالرسول وعاند : انه كان عارفا باللّه ورسوله ، مكابرا ، جاحدا لما يعرفه ؛ فلذلك يوجّه إليه الذم . وهذه كانت طريقة سائر الكفار ، فيجعلهم بمنزلة المنافقين عنده ، في هذا الوجه : ويقول : لو كان فيهم من لا يعرف ، لزالت عنه الحجة ، ولما توجه إليه ذم ولا عيب ، ولحل محل الصبى في أن الذم لا يلحقه . لأن عنده انما يلحق الذم والمدح من عرف اللّه وعرف أنه يستحق العقاب من جهته على المعاصي ، والثواب على
هامش
( 1 ) الآية 98 المائدة .