وقوة الدواعي ليس بمانع من خلاف ما يقتضيه . فإذا كان الأمر كذلك ؛ فيجب ، إذا كان قادرا على النظر متى كانت الدواعي متساوية ، أن يكون قادرا عليه ، وان كانت قوته تختص بأنها داعية إلى النظر فقط .
فان قيل : ألستم تقولون : ان الالجاء يغير حال القادر ، كما كان عليه ؟
فجوّزوا لي ما أقوله في الطبع عند حصول الدواعي .
قيل له : ان الالجاء لا يخرج الملجأ من أن يكون على الفعل قادرا ، وباختياره متعلقا . / لأن المشاهد للسبع إذا خاف على نفسه ، فهو ملجأ إلى الهرب ، وهربه يقع باختياره . لأنه متى عرض له في الهرب طرق ، اختار سلوك أحدها ، وفعل ذلك بحسب قدرته ، لأنه يعدو على حسب ما يقدر عليه في السرعة والإبطاء ، ويفعل السلوك بحسب علمه في قرب الطريق وبعده . فليس يخرجه الالجاء أن يكون قادرا على ما يقع منه ، وان صرفه من فعل إلى فعل ، كما قوى في نفسه من العلم بالمضرة والخوف الشديد .
فيجب ، ان سلك القوم في الطبع هذا المسلك ، أن يقولوا : ان قوة الدواعي إلى النظر ، تصرف القادر عن ترك النظر إلى النظر ، ولا يخرج هو من أن يكون واقعا باختياره وقدرته . وهذا قولنا ، فالالجاء بأن يقوّى ما نقوله أولى . ولعل من تعلق منهم به ، ظن أننا نوافقهم ، ونجعل الفعل عنده واقعا بالطبع ، فأراد أن يحمل ما يحصل عند الدواعي القوية عليه . وقد أخطأ في ذلك ، لأنا نسوّى بين الأمرين ، وان جعلنا للإلجاء من الحكم ما لا نجعله من الدواعي القوية ، على ما بيناه من قبل في أبواب الالجاء .
ويدل على بطلان قوله ، ان الفعل الواقع عند الحوادث والدواعي ، يقع بحسب علم الجملة وادراكها . لأنه ان كان كناية أو من الأفعال المحكمة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 317
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣١٧