ولا يقوم فعل غيره في ذلك مقامه . فإذا تمكن من أن يعلم القبيح ، فلم يعلمه ، وأقدم عليه ، استحق العقوبة ، لكن فقد علمه ببعض عقاب القبيح .
فان قيل : أفتقطعون ، فيمن هذا حاله ، على أن عقابه أقل من عقاب المقدم على القبيح ، مع المعرفة ؟
قيل له : لا . وذلك أنه قد جمع إلى القبيح الجهل بقبحه ، فصار فاعلا لمعصيتين : إحداهما نفس القبيح ، والأخرى الجهل بقبحها . أو يكون فاعلا للقبيح ، غير فاعل لما يلزمه من العلم بقبح المعصية . فيجوز ، وحاله هذه ، أن يكون عقابه أزيد من عقاب المقدم على القبيح مع البصيرة . وانما إذا كانت سائر الأحوال متساوية ، لأنه لا يمتنع أن يكون الفاعل لها مع فقد العلم يحصل فيه من وجوه عظم المعصية ، ما لا يحصل فيمن فعلها مع العلم ، فتكون عقوبته عليها أزيد .
فان قيل : أتقولون ، في الفعل الّذي انما يلزمه إذا قدم / قبله النظر والمعرفة : انه قد كلف في الحال ، أو انما كلف بعد الفراغ من المعرفة بأحواله ؟
قيل له : ان التكليف عنده إذا أريد به الأمر والإرادة ، فقد يتقدم بأوقات كثيرة ، بل لا يمتنع عندنا أن يأمر ، تعالى ، بالفعل من هو في الحال غير موجود ، بشرط أن يوجد ويمكّن فيفعل . وقد بينا ذلك من قبل ، وذكرنا أنه لا معتبر في كونه مكلفا ، بأن يكون في الحال قادرا عاقلا موجودا . وانما يجب ذلك أجمع في حال الحاجة إلى الفعل ، حتى يتمكن من أن يفعله على الحد الّذي لزمه . وعلى هذا ، صح ما نقوله
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 314
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣١٤