عليه ، فان العقلاء لا يعدون ذلك عذرا فيه ؛ وانما يعد فقد العلم من الأعذار ، إذا كان من فقد العلم غير متمكن من أن يعلم ذلك حتى يكون بمنزلة المجنون والصبى . فأما العاقل إذا تمكن من معرفة الشيء ، فإنه يلام على فعله وعلى جهله جميعا ، فيستحق اللوم من وجهين . ويفارق ذلك حال من لا يقدر ، لأنه لا يمكنه أن يعذر نفسه ، فيكون فقد قدرته عذرا واضحا في أن لم يفعل . وليس ، كذلك ، حال فقد العلم ، إذا أمكنه أن يحصّله فيعرف ما له وعليه في ذلك .
فان قيل : أليس من قولكم : ان المتقدم على المعصية مع العلم بحالها ، أعظم جرما وأزيد عقوبة منه إذا أقدم عليها مع فقد العلم ؟ حتى أن أكثر الشيوخ ، رحمهم اللّه ، منعوا في الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، أن يفعلوا المعصية مع العلم ، وجوّزوا فيهم بعض الصغائر مع فقد العلم . فهلا جاز ما ذكرناه من أن العاقل ، مع فقد العلم ، يكون معذورا لأنه إذا أثر فقد علمه في نقصان عقابه جاز أن يؤثر في ارادته أصلا ؟
قيل له : انا نجعل علمه بالمعصية وخطرها عليه من الوجوه التي تعظم به ، لأنه قد تقرر في العقل أن من فعل القبيح / وهو عالم بقبحه وعالم بأنه معصية للمنعم عليه ، يكون ذنبه أعظم من ذنب من أقدم عليه والحال بخلافه ، ولسنا نجعل ما يعظم به الفعل مما يتعلق به ، ألا ترى أنا قد نوجب عظم العقل بأمور ترجع إلى غيره ، كنحو تأسّى الغير به فيما سنّه من قبيح أو حسن ؟ فإذا جاز ، فيما لا يتعلق به أصلا ، أن يكون وجها لعظم الفعل ، لم يمتنع مثل ذلك في علمه بقبح المعصية . وليس كذلك حال ما يتعلق التكليف به ، لأن من شأنه أن يكون متصلا بفعله وبحاله ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 313
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣١٣