عما به يبين العلم من غيره ، وما قدمناه يكشف عن ذلك ؛ وان كان قد يجوز بقوله : وقع بحجة ؛ لأن العلم يقع عن النظر في الحجة ، لا عن الحجة . وقد يكون فيه ما يقع عند ذكر الدليل ، وان لم يكن حجة .
فأما من حد ذلك ، بأنه كل اعتقاد وقع بحجة ، فبعيد . لأن العلم الضروري يقع بلا حجة ، ويكون مع ذلك علما ؛ / ولأن ما قدمناه يسقط ذلك .
فأما من حده ، بأنه يبين الشيء على ما هو به ، فهو بمنزلة من حد العلم بأنه معرفة الشيء على ما هو به . لأن التبين ان لم يكن أدخل في اللبس من لفظة العلم ، لم يكن أكشف منه وانما يجب أن يحد الشيء بذكر الأحكام الواضحة للمخاطب . وانما شاع لنا أن نحده بما قدمناه ، لأن كل أحد يعرف الحالة التي أشرنا إليها بسكون النفس إلى المعلوم ؛ ولأن التبين ، على ما قدمناه ، يستعمل في العلم المستدرك بعد ارتياب ؛ فلا يستعمل هذا الحد على جميع العلوم .
وأما من حده ، بأنه تثبيت الشيء على ما هو به ، أو تثبيت الحقيقة واعتقادها على ما هي عليه ، أو اثبات الشيء على ما هو به ، فكله يبعد .
لأن الاثبات ، في حقيقة اللغة ، ما يصير به الشيء ثابتا . ولذلك يقول القائل :
أثبت السهم في القرطاس ؛ إذا أوجده فيه ، واستعمل ذلك في الخبر المفيد لثبات الشيء ووجوده .
وقد علمنا ، أن العلم ليس هذا وصفه ، فيجب أن لا يصح وصفه بأنه اثبات أصلا . وان وصف بذلك على جهة التوسع ، نحو قولهم : قد ثبت ما قلته في نفسي ، فذلك يسببه تأصل الاثبات ، فلا يجوز أن يجعل حدا له
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 19
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩