من وجهين . وأصل استعماله فيه مجاز ، فلذلك لم يستعمل في جميع العلوم ؛ وكذلك وصف العلم بأنه إحاطة وادراك . لأن الانسان وان كان يقول : أدركت معنى كلامك ، بمعنى علمته وأحطت علما بما ذكرته ؛ فذلك توسع ، لأن حقيقة الادراك ترجع إلى ما يختص به الحي مما يجوز على الساهي والعالم ، والإحاطة تختص الأجسام التي يصح فيها أن تحتوى على غيرها .
فأما وصف العلم بأنه وجود ، فقد قال شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه :
انه حقيقة فيما جرى عليه ؛ لأنهم يصفون العارف لموضع ضالته أنه وجدها . وقال : لهذا يجوز أن يوصف تعالى ، فيما لم يزل ، بأنه واحد ؛ وأنه يحد الأشياء ، / من حيث كان عالما بها ، وان كان قد يستعمل في غير هذا الوجه أيضا .
وقد اختلف الناس في حد العلم اختلافا متباينا . فقال بعضهم : ان العلم بالمعلوم هو الإحاطة به ، ومنع أن يوصف تعالى بأنه يعلم ، من حيث لم يجز أن يحاط به . وهذا باطل ، لأن حقيقة الإحاطة انما تصح في الأجسام الحاوية لما يحصل وسطا لها ، والعلم وان كان يتعلق بالمعلوم ، فإنه لا يختص به هذا الاختصاص ، ولهذا يصح أن يعلم به المعدوم والموجود . ولا فرق بين من قال ، في العلم : انه إحاطة للمعلوم ، وبين من قال مثله في الإرادة وسائر ما يتعلق بغيره من المعاني .
وقال بعضهم ، في العلم : انه اعتقاد الشيء على ما هو به ؛ وهذا بعيد .
لأن المبخت والمقلد قد يعتقدان الشيء على ما هو به ، ولا يكونان عالمين .
ولذلك يجدان حالهما كحال الظان والشاك .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 17
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧