يجوز أن يتصرف في تفسيره بحسب ما يعلمه صلاحا من زيادة ونقصان وإطالة أو ايجاز ، فكذلك لا يمتنع في الحدود مثله .
فلذلك نرى شيوخنا ، رحمهم اللّه ، في الحدود التي يذكرونها في هذا الباب ، تختلف طرائقهم فيها . وانما يجب أن تفسر الحدود بما لا يقتضي فيه الجهل بالمحدود وحصره ، بأن يلزم عليه أن يدخل فيه ما ليس منه ، وأن يخرج عنه ما هو منه . فأما لم يلزم عليه ذلك ، وانما ذكر القاصد إلى ذكر الحد ما يظن أنه ينكشف به ، فالعيب له غير لازم . فلذلك صح أن يحد شيوخنا العلم بما ذكروه ، من قولهم : انه اعتقاد الشيء على ما هو به ، مع سكون النفس الّذي يختص به العلم ؛ وعلموا أن هذه العبارة لا تنكشف لكل حد ، لم يروا الاقتصار عليها جائزا ؛ فقرنوا بها ما ذكرناه ، من أن العلم متى حدّ بأنه اعتقاد الشيء على ما هو به على وجه يقتضي سكون النفس فقد جعل معلولا بعلتين ، لا يلزم على ذلك . لأن الّذي يجب أن يبطل فيه ، أن يعلل الشيء بعلة ما تتعلق بالمعاني ؛ فأما ما يتعلق بالعبارات ، فغير / ممتنع ولم يقولوا : انه انما صار علما ، ومخالفا لغيره من الاعتقادات ، لهذين الوجهين ؛ حتى يلزم ما ذكرناه .
وكل ذلك يبين أن مقصدهم ، رحمهم اللّه ، صحيح . وان كان الأولى ما ذكرناه بدءا . ومتى خفى الغرض بما ذكرناه أولا ، وجب أن يكشف بذكر الأحكام ، ووصف هذا الاعتقاد الّذي هو علم ، ومفارقته لما ليس بعلم ؛ فتكون الزيادة والنقصان داخلين في تفسير ما جعلناه حدا ، لا في نفس الحد ، من حيث كان المقصد بالتحديد حصر المحدود وإبانته من غيره ، على وجه لا يلتبس به ما ليس منه ، ولا يخرج عنه ما هو منه ، فلذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 15
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥