تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
أن يفعل في العبد المعرفة به ، ولما تقدم من العبد تصور المعلوم . فإذا جاز منه ذلك ، ليجوزن أن يفعل العبد ذلك ، وان لم يتقدم منه تصور المعلوم . هذا ، لو صح في جميع المعلومات التصور ، فكيف وهو انما يصح فيما له أمثال تشاهد ؟ فإذا تقرر في النفس العلم بأمثاله ، صح في الشيء أن يتصور بصورة نظائره . وبعد ، فان التصور اعتقاد مخصوص ، فإذا صح أن يفعل ذلك وان لم يتقدم منه تصور آخر ؛ فهلا صح أن يبتدئ بالمعرفة من دون أن يتقدم منه التصور ؟ وهذا واضح البطلان . على أن العاقل لا يلزمه النظر الا وقد تصور الاعتقادات كيف تكون ، ومفارقتها في الجملة لسائر أفعال القلوب وأفعال الجوارح . وانما يجب فيمن لزمه الشيء أن يتصور ما لزمه ، ويفصل بينه وبين غيره . فأما تصور سائر ما يتعلق به ، فغير واجب ذلك فيه . وهذا الّذي ذكرناه الآن ، مما يمكن أن يقوى به أصل الكلام في تكليف المعارف . وذلك أن سائر ما يكلف العبد ، لا يجب أن يعرفه بعينه ، ويفصل بين أجناسه وأحواله الراجعة إلى آحاده . وانما ينتفى أن يعرفه بصفة يميزه / بها عن غيره ، لأن العلم بحقائق ما يلزمه من الصلاة والصيام والإرادات والكراهات مما يختص به أهل الكلام دون غيرهم فلا يجوز أن يتعلق تكليف العقلاء بذلك ، وانما يجب أن يعرفوا حمل هذه الأمور ومفارقتها بالصفات لغيرها ، لأن عند ذلك يتمكنون من أداء ما لزمهم على الحد الّذي وجب . فكذلك القول فيمن تلزمه المعرفة أنه يجب في الجملة أن يكون قد عرف المعارف وفصل بينها وبين خلافها من الاعتقادات التي لا تسكن نفسه إليها ولا تفارق حاله بها لحال الظان والمبخت الشاك .