له الطريق إلى التحرز من فعل الجهل مع غيره ، على الوجه الّذي لو علمه جهلا لكان له إلى صحة التحرز منه طريق ، فتجب صحة دخوله تحت التكليف . فإذا ثبتت هذه الجملة ، صح فيمن يلزمه النظر والمعرفة أن يفعل ما وجب عليه منها بأن يفعل النظر الّذي بوجوده يوجد ، ويجتنب فعل كل اعتقاد لا يأمن كونه جهلا ، وهو أن يبتدئ فيفعل اعتقادا له من غير سكون النفس إليه ، فيدخل في جملته ما قبح منه من الجهل وغيره ، فيكون مؤديا لما وجب عليه ، محترزا مما نهى عنه . فلا وجه اذن يقدح في الأمرين ، من حيث سألت عنه .
فان قيل : أليس يجوّز المكلف قبل أن يعرف اللّه ، تعالى ، أن الّذي يجب عن النظر من الاعتقاد هو من قبيل ما يلزمه أن لا يفعله من الاعتقاد المبتدأ الّذي يجمع الجهل وغيره ؟ ومتى جوّز ذلك ، جوّز أن يكون ما أمر به ولزمه ، وما نهى عنه وقبح منه فعله ، هو من قبيل واحد ، وهذا مما لا يجوز ، فيجب لذلك ابطال ما قلتم .
قيل له : ان تجويزه لذلك إذا لم يقدح في صحة أداء ما لزمه ، والتحرز مما قبح منه فوجوده كعدمه . وقد علمنا أنه وان جوّز ذلك فهو عالم بالوجه الّذي عليه يفعل المعرفة بفعله سببها ، وبالوجه الّذي عليه يقبح منه فعل الاعتقاد بأن / يبتدئه مع زوال سكون النفس . فإذا فصل بين الوجهين تمكن من أداء ما لزمه ووجب عليه ، وصح منه أن يتحرز من فعل ما علم قبحه على الجملة . وإذا لم يطعن تجويز ما ذكره في هذا الوجه ، فوجوده كعدمه في أنه لا يؤثر في هذا الباب . وقد بينا من قبل أنه لا بدّ في الجملة من أن يعلم أن النظر الواجب عليه لا يجوز ، إذا أدى إلى اعتقاد ، أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 245
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٤٥