فصل في أن المكلف قد تدعوه الدواعي إلى فعل المعرفة
اعلم ، أنا قد بينا من قبل أن الفعل الداخل تحت التكليف ، لا بدّ من أن تتردد للمكلف الدواعي بين فعله وتركه والعدول عنه إلى خلافه . / ولذلك قصدنا إلى ذكر هذا الفصل لئلا يقول قائل : ان المعارف وان كانت مقدورة للعبد ولا مانع له عن فعلها ، فإنه لا يصح أن يدعوه إليها داع ، فلا يجوز من الحكيم أن يكلفها . وقد علمنا أن الدواعي ترجع إلى الاعتقادات والظنون دون غيرها ، لأنه إذا علم في الفعل منفعة دعاه إلى فعله ، وكذلك إذا ظنه أو اعتقده ؛ ولو علم أو ظن أن عليه في الفعل مضرة ، صرفه عن فعله . وكذلك القول فيما نعلمه نفعا واحسانا إلى الغير أو حسنا أنه قد يدعوه إلى فعله ، فإذا علمه إساءة صرفه عن فعله ، ولا يجوز أن يدخل في باب الدواعي سوى ما ذكرناه .
فان قيل : ألستم تقولون : ان كون الشيء لذة ومنفعة مما يدعوه إلى فعله وكذلك كونه مشتهيا للشئ يدعوه إلى تناوله ؛ فكيف يصح ما ذكرتم ؟
قيل له : ان الّذي ذكرته ، لو انفرد ، لم يدعه إلى الفعل ، وانما يدعوه ذلك إليه متى علم من حاله أنه يشتهى ذلك وينتفع به ، ولو أنه اعتقد ذلك على غير حقيقة لكان يدعوه إليه أيضا ؛ فالمعتبر هو بحاله لا بصفة الشيء في نفسه . لكنه لا يجوز أن يكون عالما بأنه يشتهى الشيء الا وهو