لا يميز الانسان الشيء من غيره بعقله ، لما ذكروه من العلة ، وهذا معلوم الفساد . وقد بينا من قبل أن الانسان يثق بالمدركات ويعلمها ، وأن الخطأ لا يجوز في الادراك ، وان كان عند اللبس لا يحصل سكون النفس ، لعلل بيناها . فيجب أن يصح أن يعرف بالنظر صحة الشيء ما لم يعرض من الشبه ما يوجب الالتباس . ولولا صحة ما ذكرناه ، لم يجز أن نعلم الانسان قادرا « 1 » لصحة الفعل منه ، وأن لا نثق بذلك ، كما قد نخطئ في الحواس ، وهذا بعيد .
وربما قالوا : إذا كانت الحواس أجلى من العقل ولم يضبط ما يرد عليها وان كان أظهر مما يرد على العقل ، فبأن لا يضبط العقل ما يرد عليه لخفائه وخفاء ما يرد عليه أولى ، وذلك يمنع من صحة النظر .
وما قدمناه يسقط ذلك ، لأن الحواس انما لا تضبط الوارد عليها عند لبس . ولولا ذلك ، لصح ما تقوله السوفسطائية . وذلك يوجب صحة ما يرد عليه العقل بالنظر ، ما لم يحصل هناك لبس ، ولسنا نسلم / أن الحواس أقوى ، لأن بالعقل نميز ما يدرك بالحواس ، ولولا ذلك لما نميز .
ولذلك لا تتميز للبهائم المدركات حسب تميزها للعقلاء . ولا نسلم أن العقل أضعف ، بل نقول فيه : انه المعتمد في المعارف ، وانما يصير الادراك طريقا للعلم إذا حصل مع غيره كان عقلا ؛ ولا يجوّز في العقل وفيما يتوصل به إلى معرفته الخطأ إذا وقع على الوجه الصحيح ، وقد يجوّز في الحواس بعض ذلك . ولو سلم ما قاله ، لوجب كما صح فيما يتوصل بالحواس إليه أن يصح بعضه لحصول سكون النفس ومفارقته لما يلتبس فيه الحال أن
هامش
( 1 ) قادرا : في الأصل « قادر » .