يصح التوصل بالعقل إلى المعارف ، ويرجع فيما يصح وما لا يصح إلى سكون النفس . ولا بدّ لهم أيضا من القول بذلك ، لأنهم بهذا السؤال قد اعترفوا أنهم علموا بالعقل أن الحواس قد لا تضبط ما يرد عليها ؛ وانما علم ذلك بالعقل ، لأن ذلك مما لا يدرك بالحس ؛ فكيف يصح مع هذا الاعتراف أن يبطلوا عمل العقل وصحة النظر ؟ وهلا جاز أن يضبط بالعقل ما يرد عليه وان خفى وغمض ، كما ضبط به أن الحواس قد لا تضبط ما يرد عليه ، وقد تضبط غيره ، والتفرقة بين الأمرين ؟
وربما قالوا : إذا صح في العلم بالمدركات ، مع أنه أصل للعقل ، الخطأ فيه وفي الحواس ، فهلا جاز مثله في العقل الّذي هو كالفرع ، على ما ذكرناه ؟
لأن أساس البناء إذا صح فيه الفساد ، فبأن يصح ذلك على المبنى عليه أولى .
وما قدمناه ، يسقط ذلك . لأن هذا السائل وقد « 1 » اعترف بأنه يعلم بالعقل خطأ الحواس ، وتمييز ما يخطئ فيه / وما لا يخطئ ، فقد أقر بصحة ما بناه على الحواس . وما ذكرناه من أن المدركات يوثق بها الا عند اللبس ، وكذلك النظر يوثق بما أدى إليه إذا وقع صحيحا وأنه يجب أن يعتمد في الفصل بين ما يصح وما لا يصح في جميع ذلك إلى سكون النفس ، يسقط هذا السؤال .
وربما عبّروا فقالوا : إذا كان الادراك والعلم بالمدركات أصل للعقل ، وعلم صحة وقوع الخطأ فيما بعد عن الحواس ، فبأن يصح الخطأ فيما يعرف بالنظر أولى ، لأنه من الحواس أبعد .
هامش
( 1 ) وقد : في النص « قد » .