تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
يجده من نفسه ، لصح أن يولد العلم ، وان لم يعلم من نفسه أنه ناظر مفكر ، لكنه مما يجده من نفسه ؛ وان كنا نمتنع أن يلتبس بغيره ، ويتولد عنه العلم . على أن نفس النظر طريقة للاستدلال ، فلو لم يستدل على اثباته ويفكر في الدليل لوقع له العلم . وانما قلنا في الكتابة خاصة : ان كونه عالما بترتيبها يجب قبل أن يفعلها ، لصحة وقوعها مرتبة وغير مرتبة . فلا بد ، إذا اختصت بالترتيب ، من اختصاص فاعلها بحال . وليس كذلك النظر ، لأنه جنس الفعل ، وتوليده لما يولده يرجع إليه . وبعد ، فان أجزاء الكتابة قد تقع على طريق الاحتذاء ، وعلى وجه التلقين والتعليم ، فيجب أن يجوز في النظر مثله إذا رتب ذلك للناظر وعرف طريقه . وربما قالوا : إذا صح اشتباه الدليل بالشبه ، ولم يصح العلم بافتراقهما ضرورة ؛ فيجب أن لا يوثق بالنظر مع تجويز كونه متعلقا بالشبه دون الدليل . وهذا بعيد ، لأن العلم بما قاله مما لا يحتاج إليه في توليد / النظر للعلم ، فلا يمتنع أن يعرف الدليل وينظر فيه ، فيعلم المدلول وتسكن نفسه إليه . فيعلم من بعد أنه نظر في الدليل ويفصل بينه وبين الشبه ، إذا علم أن النظر فيها لا يولد . وبعد ، فإذا جاز أن تتوصل بالفكر إلى المنافع ودفع المضار مع هذا التجويز ، فهلا صح أن يوجب العلم إذا تعلق بالدليل مع هذا التجويز ؟ وقد بينا أن الداعي أو الخاطر ينبهان المكلف على طريقة النظر ، فتتعين عنده الأدلة وتنفصل عنده من الشبه ، فينظر فيها وان لم يعلم الدليل دليلا الا بعد وقوع العلم منه متولدا عن النظر .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 164 | القاضي عبد الجبار الهمذاني