وما قدمناه يبطل ما قالوه من أن النظر / إذا كان انما يفعل للخوف من تركه ، حل محل تشبث الغريق بالحبل للتخلص ، وصياح المضروب ، وأنين المريض ، وسائر ما تزال به المضرة ، ويقصد به ذلك . فإذا لم يجز فيها ، أجمع ، أن يوجب المطلوب بها ، فكذلك النظر . وذلك لأن النظر قد ثبت أنه يولد العلم ، إذا وقع على وجه مخصوص ، ويجب أن يتفق جميع من فعله فيه . وانما وجب في سائر ما عداه أن تختلف حال فاعليه ، لأنه غير مولد ، ولو دلّ ذلك على أن النظر لا يولد ، لدل على أن الاعتماد أيضا لا يولد الإصابة وغيرها .
وربما قالوا : إذا كان النظر موضوعا للكشف ، كالسؤال ، وعلم من حال السؤال أنه لا يولد ، فكذلك القول في النظر . وهذا كالأول ، لأن السؤال كلام ، وقد ثبت أنه لا يولد العلم ولا غيره ، لأمور قدمنا ذكرها .
وليس كذلك النظر ، لأنا قد بينا أنه يولد . ولو قدح ذلك في توليد النظر ، لقدح في توليد الاعتماد الإصابة . فيقال : إذا كانت المسألة عن ذلك لا تولد ، فكذلك القول فيه نفسه . وهذا بين البطلان .
وربما قالوا : إذا كان النظر ، في احراز منافع الدنيا ودفع مضارها ، لا يولد العلم ، فكذلك النظر في الأدلة . وصح بذلك ، أن هذا القبيل لا يصح أن يولد ؛ كما أن الاعتماد ، لما ولد بعضه ، صح في سائره ذلك .
ولما لم يولد بعض الأصوات شيئا ، لم يولد سائره . وهذا بعيد ، لأن النظر انما يولد متى كان في دليل تعلّق بالمدلول ؛ وذلك لا يصح في النظر في احراز منافع الدنيا ، ودفع مضارها ؛ وهذا كالاعتماد الّذي لما ولد / الصوت على جهة المصاكّة ؛ وذلك لا يصح في الاعتماد في الجزء الواحد ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 142
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٢