فصل في بيان جنس النظر
اعلم ، أن الناظر يجد نفسه ناظرا ، لأنه يعقل الفرق بين أن يكون ناظرا ، وبين سائر ما يختص به من الأحوال ؛ كما يعقل الفرق بين / كونه / معتقدا ومريدا . ولا شيء أظهر مما يجد الواحد منا نفسه عليه ؛ لأنه ، في حكم المدرك ، في قوة العلم به . فإذا صح ذلك ، وعلمنا أنه انما حصل ناظرا لمعنى ، لأنه قد حصل كذلك مع جواز أن لا يكون ناظرا ، فكما أنه يجب أن يكون مريدا لمعنى ومعتقدا لمعنى ، فكذلك يجب كونه ناظرا لعلة .
والطريقة التي قدمناها في اثبات العلم في باب الصفات ، تدل على اثبات النظر ؛ فلا وجه لإعادتها .
وكلام شيخنا أبى على ، رحمه اللّه ، يدل على أن الناظر يدرك النظر ، كما يدرك المريد الإرادة . وقد بينا أن الأمر بخلافه . لأنه لو أدرك ذلك ، لوجب أن يحل محل الألم الموجود في بعضه . فكان يجب أن يفصل بين محله ، وبين غيره على التفصيل ، إذا لم تحصل هناك شبهة . وفي بطلان ذلك ، ودخول الشبهة في محلهما على العقلاء ، دلالة على أن الناظر لا يدرك النظر .
فإذا بطل القول بكونه مدركا ، فيجب أن يكون طريق اثباته ما ذكرناه من استحقاق الناظر كونه ناظرا على الوجه الّذي يقتضي اثبات الأغراض .