الكلام في الجنس الأول بما قدمنا ذكره
فصل في بيان حقيقة النظر
اعلم ، أن النظر ، وان كان متى أطلق ، فقد تعبر به عن وجوه : عن تقليب / الحدقة الصحيحة نحو المرئى ، التماسا لرؤيته ؛ وعن الرحمة والاحسان ؛ وعن نظر القلب ؛ وعن الانتظار على ما فيه من الاختلاف في أن تعبر به عنه على جهة الحقيقة أو التوسع ؛ فالمقصد بها بهذا الموضع ذكر نظر القلب دون غيره ، وحقيقة ذلك هو الفكر . لأنه لا ناظر بقلبه الا مفكرا ، ولا مفكر الا ناظرا بقلبه ؛ وبهذا تعلم الحقائق . ألا ترى أنه لما كان لا جسم الا طويلا عريضا عميقا ، ولا ما يختص بهذه الصفة الا جسما ، علم أن المستفاد ، بقولنا ، جسم ؛ فكذلك القول في الفكر . والفكر هو تأمل حال الشيء ، والتمثيل بينه وبين غيره ، أو تمثيل حادثة من غيرها ، وهذا مما يجده العاقل من نفسه إذا فكر في أمر الدين والدنيا . ألا ترى أن الخائف ، من سبع في الطريق ، يفكر في وجه التخلص ؛ وكذلك التاجر ، يفكر في طريقة الربح ؛ وكذلك المقوّم ، يفكر في طريقة العادة في بيع أمثال المقوّم ؛ والناظر ، فيما يلزمه النظر فيه من جهة الدين ، يفكر في الأدلة على اختلافها . وكل ذلك يبين صحة ما قدمناه في حقيقة النظر .