الّذي يدل . وقد بينا ذلك من قبل ؛ فيجب ، متى تغير حال الناظر في هذا الوجه ، أن لا يتولد العلم عن النظر ، ومتى سبق التوليد أن يزول العلم .
لأنه لا يجوز أن يكون عالما بالمدلول ، مع تجويزه في الدليل أن لا يكون دليلا ؛ كما لا يجوز أن يكون عالما بكون القادر قادرا ، مع تجويزه في الفعل الّذي استدل به أن لا يكون فعلا له ، وأن يكون انما صح من قبل غيره . ولذلك قلنا في المجبرة أنها لا يصح أن تكون عالمة ، من جهة الاستدلال ، بأن الواحد منا قادر عالم بسائر الصفات الراجعة إلى الحي .
ولذلك قال شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه : ان المجبرة لا يمكنها أن تستدل بالمعجزات على النبوات لأن اعتقادها في فاعل المعجز أنه يجوز أن يفعل القبيح ، يخرجها من أن تكون عالمة بها على الوجه الّذي يدل على النبوات .
فإذا ثبت هذا الأصلان ، فالشبه على ضربين :
أحدهما يؤثر في حال الدليل ، ويخرج المستدل من أن يكون عالما به على الوجه الّذي يدل . فهذه تقتضى انتفاء المعرفة لا محالة . لأنها لو ثبتت معها ، لأدى إلى كونه عالما بالمدلول من جهة النظر في الدليل ، مع اعتقاده فيه أنه ليس بدليل . وقد بينا أن ذلك ممتنع ، وأن لا يعلم بالدليل كالأصل للعلم بالمدلول إذا كان مكتسبا . وقد ثبت أنه لا يمتنع أن تتعلق العلوم بعضها ببعض ، وإذا كانت مكتسبة ؛ على خلاف تعلقها إذا كانت ضرورية ، وعلى خلاف تعلقها في الجنس ، / وكشفنا ذلك في شرح الجامع الصغير .
فليس لأحد أن يقول : إذا كان العلم بالمدلول قد ثبت من جهة الاضطرار ، وان لم يعلم الدليل ، فكيف يجب انتقاؤه متى لم يعرف الدليل إذا كان مكتسبا ، وصار انتفاء العلم بهذه الشبهة كانتفاء ما يحتاج إليه ؟ وأظن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 129
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٩