كان المعلوم أنه لا يقع ولا يختاره . وقد بينّا أن أصل الكلام في إثبات تعلّق الفعل بالفاعل يقتضي ما قلناه ، لأنه إذا وجب وقوعه ( بحسب « 1 » وانتفاؤه بحسب دواعيه وكراهته ) فيجب أن يكون قادرا على ما يصحّ أن يقع بأن يختاره على ما لا يقع بل يختار تركه .
وقد بينّا في باب البدل أن العالم بأن الشيء يكون لا يوجب كونه ، ولا علمه بأن الشيء لا يكون لا يحيل كونه . وبينّا أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به ، لا أنه يصير على ما هو به بالعلم ، وأنه كالدلالة والصدق في هذا الوجه . وبينّا أن القول بخلافه يوجب زوال الذمّ والمدح عن الفاعل في الحسن والقبيح من حيث يجب كونه مضطرّا إلى فعلهما ؛ لعلم العالم بوقوعها ، ويوجب كون القديم تعالى على « 2 » ما هو به لمعلومنا ، وأن يكون العالم منا جعله كذلك ؛ وفي هذا من الجهالات ما لا خفاء به .
فإذا صحّ ذلك لم يمتنع كون العبد قادرا على قتل غيره ، وإن جعل اللّه أجله مؤخّرا عن ذلك الوقت ، لأن علمه تعالى بأنه يعيش مائة سنة ، أو نصبه الدلالة على ذلك ، أو كتبه ذلك في اللوح المحفوظ على جهة المصلحة للملائكة ، لا يخرج القادر من أن يكون قادرا على نقض بنيته من قبل ، كما لا يخرج ذلك القديم تعالى من أن يكون قادرا على إماتته من قبل .
وقد بينّا أنه لا يجب المنع من ذلك بأن يقال : إن ذلك يوجب كون / القادر قادرا على تجهيله تعالى ، لأن التجهيل هو ما يصيّر به الجاهل جاهلا ، دون تعيين الفعل الّذي قد علم خلافه . وبينّا أنه إن أراد السائل بما تعلّق به أنه يقول : إنه قادر على أن يفعل
هامش
( 1 ) كان الأصل : « بحسب دواعيه وانتفاؤه بحسب كراهته » فغير المؤلف التركيب هكذا ، وجرى على اللف والنشر .
( 2 ) أي تكون صفته التي هو عليها تابعة لعلمنا به إذا كان العلم يؤثر في المعلوم ويوجده .