حال وجد فيها على سبيل البقاء أنه يجوز وجوده فيها على سبيل الإحداث ؟ قيل له : لأن كونه - عز وجلّ - قادرا على إحداثه غير مختص بوقت ؛ كما أن صحّة وجوده في نفسه غير / مختص بوقت . فكما يصحّ وجوده في كل حال فيجب أن يصحّ حدوثه من جهة القديم - تعالى - في كل حال .
فإن قيل : ومن أين أنه - سبحانه - في كونه قادرا عليه غير مختص بوقت ؟
قيل له : لأن القادر في كونه قادرا على الشيء إنما يختص بوقت على أحد وجهين .
إما لأن المقدور في نفسه لا يصحّ وجوده إلّا في وقت واحد ، وإما لأن كونه قادرا يرجع إلى معنى لا يصحّ أن يتعلق إلا بمقدور واحد في وقت واحد في حيّز واحد . وقد ثبت أن القديم - تعالى - يقدر في كل وقت على ما لا نهاية له ، وأن معنى الحصر في مقدوراته لا يصحّ ، وثبت أن الجوهر في نفسه يصح وجوده الأوقات الكثيرة فيجب ألّا يختص في كونه قادرا على الجوهر بوقت دون وقت .
فإن قيل : هلّا جوّزتم أن يختص في كونه قادرا على الجوهر بوقت وإن لم يصحّ فيه ما ذكرتموه من الوجهين ؟ قيل له : لأن نفس المقدور إذا لم يصحّ [ أن ] يختص بوقت في الوجود حتى يجرى مجرى ما لا يبقى من الأعراض ، والقادر لنفسه يقدر على الشيء ، فلا يصح أن يعتبر في كونه قادرا ما يوجب فيه الحصر ، فيجب ألّا يختص كونه قادرا على الجوهر بوقت دون وقت لزوال ما يقتضي تخصيص الأوقات فيه .
فإن قيل : إذا صح في القدرة نفسها أن تتعلّق بالمقدور في وقت دون وقت وإن كان تعلّقها يرجع إلى ذاتها فهلّا جاز في القادر لنفسه أن يتعلّق بوقت دون وقت وإن كان قادرا لذاته ؟ قيل له : إنما وجب ذلك بالقدرة ؛ لأنها لا تتعلّق إلا بمقدور واحد من جنس واحد في وقت واحد ، وذلك يوجب فيها ألّا تتعلّق بالمقدور إلا في حال دون حال ، والقادر لنفسه يقدر على ما لا / نهاية له ، فتلك العلّة عنه زائلة ، فيجب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 453
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٥٣