تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
اختصّ المحاذاة لا لجنسه لأن جنس الكل متّفق وهو في هذا الحكم مفترق ، ولا لوجوده لمساواة العرض له في ذلك ، فإن يكن مختصّا بمحاذاة فإنما اختصّ بها لأمر يرجع إلى الكون الّذي أوجب ذلك فيه ، وقد علمنا أن إيجاب الكون ذلك في الفناء يستحيل من حيث يحتاج في وجوده إلى محلّ والفناء لا يصحّ أن يكون محلّا ؛ لأن ذلك يوجب فيه كونه جوهرا ، ومن حيث لا يتعلّق الفناء على وجه يقتضي فيه هذا الحكم فإذا استحال في الفناء الاختصاص بالمحاذاة لما بينّاه لم يجز أن يجعل وجها لمنافاة الفناء الجواهر . وبعد ، فلو جوّزنا فيما يستحيل حلول الكون فيه أن يساوى الجوهر في الاختصاص بالمحاذاة لأدّى ذلك إلى تجويز هذه القضية على القديم سبحانه ، ولأوجب ذلك تجويز كونه في جهته دون جهته ، وأن يرى على حال دون حال وإن لم يكن جوهرا ، وبطلان ذلك يبيّن فساد ما سأل عنه ، على أن الجواهر الكثيرة يجوز وجودها في محاذاة واحدة على البدل ، فلو كان الفناء ينافيه لهذا الوجه فلم جاز بأن ينافي بعضها أولى من أن ينافي سائرها . على أن هذا القول يوجب ألّا نأمن أن يكون الّذي لأجله يتعذّر علينا فعل الأجسام أنه - تعالى - يفعل الفناء في المحاذيات التي نروم فعل الجواهر فيها ، فكيف السبيل لهذا القائل إلى العلم بأن الجسم لا يصحّ أن يفعل الجسم . فإن قال : إن من حق الشيء أن يصحّ أن يضادّ / أحد الشيئين دون الآخر إذا لم يؤدّ ذلك إلى حصول الموصوف على صفة صفتين ضدّين ، وإنما يمتنع ذلك فيه إذا أدّى إلى حصوله على صفتين ضدّين ؛ ألا ترى أن السواد إنما ينافي البياض على المحلّ الواحد ؛ لأنه يؤدّى لو لم ينف جميع ما فيه من السواد أن يكون أسود أبيض ، وكذلك القول فيما يتنافى على الحىّ . وقد علمنا بأن القول بأن الفناء ينافي جوهرا دون جوهر لا يقتضي ما قدّمناه ، وإنما يقتضي أن أحد الجوهرين موجود والآخر معدوم فقط ، فلا يؤدّى إلّا إلى أمر صحيح ، فيجب جواز