على مجرّد الوجود في نفى وإثبات وسقط بهذا قول من يقول : إذا جاز في الإرادة أن تتعلّق بمراد دون مراد وإن كان حالها معهما على حدّ واحد ، فهلّا جاز مثلها في منافاة الشيء لغيره ؟ لأنا قد بينّا الفرق بين الأمرين ، ولذلك قد يصحّ أن يزيد أحد السوادين الحالّين في المحلّ دون السواد الآخر ، ولا يجوز في البياض الوارد على ذلك المحلّ أن ينافي أحدهما دون الآخر .
فإن قال : هلّا قلتم : إن الفناء ينافي المحلّ بأن يحلّه ويختصّ به هذا الاختصاص ؟
قيل له : إن تجويز حلوله فيه يقتضي / صحّة وجودهما في حالة واحدة ، وفي ذلك نقض القول بأنه يضادّه وينافيه . فإن قال : هلّا قلتم : إنه يضادّه ببقائه لا بوجوده ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون للبقاء من الحكم ما ليس للوجود ؛ ألا ترى أن الحادث يكون معادا دون الباقي والحادث بأن ينفى الباقي أولى من أن ينفى الباقي الحادث ؛ قيل له : إن ما يضادّ غيره إنما يضادّه من حيث يستحيل اجتماعهما في الوجود ، فمتى جوّز ذلك فيهما في بعض الأوقات بطلت المضادّة . ولذلك وجب في كلّ ما لا يتضادّ في أوّل الوقت ألّا يتضادّ فيما بعده ، وفي كلّ ما يتضادّ في حال أن يتضادّ في سائر الأحوال ، ولو جوّزنا خلاف هذا لم نأمن من أن نئول بالحموضة إلى أن تنافى البياض في وقت ما ، وإن كانت الآن لا تنافيه في بعض الأوقات ، وفي هذا إبطال القول بأن التنافي يرجع إلى ذات الشيء ، ويقتضي كونه موقوفا على علّة وعلى اختيار محلّه ، وبطلان ذلك يكشف عن فساد ما سأل عنه ، وإنما يجوز أن يفارق حال الشيء في حال بقائه لحكمه في حال حدوثه إذا لم يؤدّ ذلك إلى قلب الأجناس أو انتقاض الأدلّة ، فأمّا إذا أدّى إلى ذلك فيجب القول بفساد التفرقة بينهما ؛ كما وجب القول بفساد قول من يقول : إن السواد في حال بقائه يكون سوادا دون حال حدوثه . فإن قال : إذا ثبت أنه يضادّ الجوهر وأنه لا يصحّ أن يضادّه لمجرّد الوجود لم يبق مع ذلك إلّا ما قلته ؛ قيل له : إذا ثبت بطلان ما ذهبت إليه بما قدّمناه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 446
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٤٦