الاستدلال به على جهة الابتداء لا يصح من حيث كان العلم بكونه قادرا وبالقدر من حقه أن يتأخر عن العلم بكون المباشر فعلا له وحادثا من جهته .
وقد بيّنا القول في ذلك من قبل ، وبيّنا أيضا أن في المباشر ما يصح أن يستدل بذلك كفعل النائم ، فلا وجه لإعادته ، وبطل بذلك قول من قال :
ان دل ذلك في المتولد فيجب أن يدل في المباشر ، لأنا قد بيّنا أنه لو علم في المباشر لدل ، لكنه لا يصح أن يعلم ذلك فيه ، ويصح ذلك في المتولد ، فصحّ أن يستدل به فيه دون المباشر ، وهذا كما قلناه في صدر الكتاب ، أن جواز العدم على العرض يدل على حدوثه ، ولا يدل على حدوث الجسم من حيث كان لا يصح أن يعلم ذلك في الجسم قبل معرفة حدوثه ، ويصح أن يعلم ذلك في العرض ، لأنا نقول إنه لو صح أن يعلم ذلك فيهما جميعا كان لا يصح الاستدلال به ، ولذلك نظائر كثيرة ، فان قيل : أليس في المتولدات / عندكم ما لا يقع بحسب القدرة كالألم ، ومنها ما لا نتبين من حاله أنه يقع بحسب القدر كالعلم ، فهلّا دل ذلك على بطلان ما استدللتم به ؟ قيل له : انا دللنا بذلك حيث يمكن أن يعلم أنه يقع بحسب القدر ، فيجب أن يدل في ذلك الموضع على أنه فعله ، وألا يقدح فيه تعذر معرفته ذلك في موضع آخر ، لأنا لم ندع عموم هذه الدلالة في جميع المتولدات فيكون ما ذكرته قادحا فيها ، ولا يجب إذا انتفت هذه الدلالة في متولد آخر ألا يصح حيث وجدت فيه ، وليس فيما سأل عنه أكثر من أن هذه الدلالة لا تستمر في جميع المتولدات وهذا مما لا يدفع .
فان قال : انى أقدح بذلك في الكلام من وجه آخر ، وهو أن المتولد لو كان فعلا له لوجب في جميعه أن يقع بحسب قدره كالمباشر ، فإذا أوجد بكم فيه ما لا يقع قدره وجب ألا يكون فعلا له ، وإذا وجب ذلك في بعضه وجب في سائره . قيل له : ان ما ذكرته انما يوجب أن ما لا يقع من المتولدات بحسب قدره لا يجب كونه فعلا له دون ما يقع بحسب قدره ، فلا يصح
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 41
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤١