ذلك يبين أن العلم انما يكون علما من حيث علم الناظر الدلالة ، فلولا أن النظر مما لا يصح أن يفعل الناظر العلم الا به ، لكان تحمل المشقة فيه عبثا لا فائدة فيه ، ولما صح من العقلاء الفزع إليه ، كما لا يصح من الطائر في صعود السطح الفزع إلى السلم إذا كان الغرض هو الصعود فقط ، ومما يقال في ذلك أنه قد ثبت أن ما يفعل بقدره لا يجوز أن / يفعل بأخرى على وجه ، وانما وجب ذلك من حيث كان الحدوث لا يقع فيه تزايد فيجب في كل جهة يحدث منها الشيء ألا يجوز أن يحدث الا منها ، ولذلك وافق السبب القدرة في هذا الباب ، فلم يصح أن يقع المسبب الواحد عن سببين ، كما لم يجز وقوعه بقدرتين ، فإذا صح ذلك لم يجز فيما ثبت وجوده بالسبب أن يفعل ابتداء ، بل يجب أن يكون القول في ذلك آكد لأن السبب من حقه أن يوجب وجود المسبب من غير أن يتعلق باختيار القادر ، وليس كذلك ما يفعل بالقدرة ابتداء ، فإذا كان ما يوجد بالقدرة مع أنه لم يحصل فيه وجه يوجب وجوده لا يصح أن يوجد الّا بها ، فبأن لا يجوز أن يوجد المتولد الا بالسبب مع أنه يوجب وجوده أولى ، ومما يقال في ذلك أن من حق ما يبتدأ بالقدرة أن يصح من القادر أن يفعله وألا يفعله ، ومن حق ما يوجد عن السبب أن يجب وجوده مع ارتفاع الموانع ، فإذا صح ذلك فلو جوزنا في المعنى الواحد أن يحدث على الوجهين لتناقض فيه الحكم ، لأنه كان يجب أن يصح ألا يفعله من حيث كان مبتدأ ، وأن يجب أن يفعله من حيث كان مسببا ، وهذا محال ، ولا يمكنه أن يقول متى وجد السبب لم يصح أن يفعله الا به ، لأنا قد بيّنا أنه إذا كان مقدورا بالقدرة فلا وجه يمنع من كونه مقدورا بها ابتداء ، لأن تقدم السبب لا يمنع القدرة من أن تكون متعلقة به كتعلقها به لو لم يتقدم ، وفي هذا ما قدمناه من التناقض ، وقد يقال فيه ان من حق ما نبتدئه بالقدرة ألا يقع متى حصل هناك داع يصرفه عن فعله ، فلو كان ما يقع / عن السبب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 117
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٧