الشاهد والغائب ، ومما يدل على ذلك أنا قد بيّنا أن الوجود لا يصح فيه تزايد ، فلو صح فيما نفعله بسبب أن نبتدئه لصح منا ذلك وان تقدم السبب ، لأن تقدمه لا يغير حال القدرة وحال القادر ، فكان يجب أن يكون ذلك السبب قد وجد من كلا الوجهين ، فلا يصح أن يوجد منهما جميعا ، وحاله في الوجود كحاله لو لم يجز أن يوجد الا من أحد الوجهين ، لأن ذلك يؤدى إلى أن لا يكون للوجه الآخر تأثير البتة ، وقد علمنا فساد ذلك ، وليس له أن يقول إن كل واحد منهما لو انفرد لاقتضى وجوده ، وهذا تأثير معقول لأنا قد بيّنا فساد هذا السؤال عند الدلالة على أن مقدورا واحدا بقدرتين ومن قادرين لا يجوز ، ومن قال بما قدمناه لا يمكنه أن يعتصم من تجويز ذلك على ما يذهب إليه المجبرة ، فإذا ثبت فساد قولها وجب فساد هذا القول أيضا ، ويمكن أن يقال في ذلك لو كان العلم المتولد عن النظر / يصح أن نفعله ابتداء لم يكن لتكليف النظر معنى لأنه مشقة تتحمل ليتوصل به إلى العلم ، فإذا صح فعله ابتداء فتحمّل النظر عبث ، ويجب أن يصح ممن يعلم الدلالة أن يبتدئ فيفعل العلم ، كما يصح منه أن يفعله عن النظر ، وفي تعذر ذلك دلالة على استحالة وجود هذا العلم الا عن النظر ، وليس لأحد أن يقول انما يحتاج إلى النظر ليصير الاعتقاد المتولد عن النظر علما ، والا فجائز ان نفعل الاعتقاد الّذي يتولد عن النظر ابتداء ولا يكون علما ولا يحتاج إلى النظر في ايجاده ، وذلك لأن الاعتقاد المتولد عن النظر انما يكون علما لكون الناظر عالما بالدليل لا لمكان النظر ، ولذلك يفعل هذا الاعتقاد علما في المستقبل متى كان عالما بالدليل ، ولذلك قلنا لو وردت عليه شبهة قادحة في الدليل لخرج من أن يكون علما ، وان كان حال النظر المتقدم لا يتغير ، ولذلك قلنا لو علم في المسألة أدلة وردت عليه شبهة في الدليل الّذي نظر فيه أولا لم يبطل علمه ، لأن علمه بالدليل الثاني يقوم مقام علمه بالدليل الأول في جواز بقاء العلم ، وكل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 116
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٦