ابطال فعل من فاعلين ومقدور بقدرتين يبطل ذلك على ما نأتى على بيانه من بعد ان شاء اللّه .
شبهة أخرى لهم : قالوا لو كان تعالى يفعل بأسباب ومثل ما يفعله بالسبب يجوز أن يفعله ابتداء ، لم يكن لفعله ذلك بالسبب معنى لأن الغرض إذا كان ايجاد المسبب وذلك ممكن دون السبب ، فإيجاده بالسبب يوجب كون الشيء عبثا .
فان قلتم : انه يفعل ذلك للمصالح فيجب إذا تعلق الصلاح بالسبب دون المسبب أن يكون المسبب عبثا ، ويجب ألا يفعل تعالى في الآخرة شيئا من أفعاله بسبب لأن ما يفعل للمصلحة انما يحسن في دار التكليف ، وقد صح أنه تعالى يفعل في الآخرة الآلام في أهل النار متولدا عن اعتماد النار ، وأنه يجرى المياه والعسل وغيره بالاعتماد الّذي فيه إلى غير ذلك مما يطول ذكره ، فإذا وجب القول باثبات التولد في فعله ما ذكرناه ، فيجب نفى ذلك عن فعله ، والقول بأنه تعالى لا يفعل بالأسباب البتة . واعلم أن الأصل في هذا الباب أنه تعالى كما لا يفعل المبتدأ من فعله الا لغرض يخرج به من كونه عبثا فكذلك المتولد / وسببه ، ولا يجوز أن يفعل أحدهما لغرض فيه ويحسن الآخر من غير غرض يخصه ، لأن وجه الحسن يجب حصوله في كل فعل من أفعاله تعالى ، والا فالقبح أولى به ، ولذلك جوّز شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه كون السبب حسنا أو قبيحا ، والمسبّب غير حسن ولا قبيح ، وان لم يجوّز أن يكون حسنا مع كون سببه قبيحا على ما تفصله من بعد ، فإذا صح ذلك والواجب أن نقضي بأنه تعالى انما يفعل بالسبب لمصلحة يختص بها السبب ، ويفعل المسبب لما فيه من النفع في دار الدنيا ، لأنه تعالى قادر على أن يجرى السفن على الوجه الّذي تقع به المنفعة للعباد من غير أن يكون اعتماد الماء مولدا له ، لكنه لما كان كمال المنفعة أن يكون جريها بحسب مرادهم في الجهات التي يجرونها إليها ، وجب أن يخلق تعالى المياه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 111
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١١