هو بالفاعل من حيث كان مريدا ، لا من حيث كان قادرا . وذلك أن كونه مريدا ، انما يؤثر في مقدوره ، بأن يقتضي وقوعه على وجه دون وجه .
وما لم ينعدم كونه قادرا ، لم تصح فيه هذه القضية . ولذلك لا يصح كونه مؤثرا في مقدور غيره ، وفيما قد بقي أو يقتضي من أفعاله . وهذا كقولنا : ان كونه محكما ، يكون بفاعله من حيث كان عالما ، وان كان لا بد من كونه قادرا على احداثه ، لأن كونه محكما يتبع الحدوث ؛ وما يرجع إلى القادر من ذلك / هو احداثه . ولا فصل بين كونه محكما وغير محكم ، في أنه في الحالين قد حدث على وجه واحد . لأن الحادث لا يكتسب ، بمقارنة غيره له من الحوادث في باب الحدوث ، صفة لا تحصل له إذا كان منفردا ؛ وانما يحصل ، بالانضمام للحوادث ، حكم زائد على الحدوث .
فقد صح أن قولنا : ان ما يتبع الحدوث من الصفات قد يكون بالفاعل ، لا ينقض ما قلناه من أن القادر انما يصح منه احداث الفعل فقط .
فان قيل ، ولم قلتم : ان الّذي يحصل عليه التصرف بحسب قصده ودواعيه هو حدوثه ، حتى جعلتموه عمدة في أن الّذي يتعلق به هو حدوثه فقط .
قيل له : لأنا قد دللنا على أن الأغراض لا يجوز عليها الانتقال ، وما يختص منها بمحل يستحيل حلوله الا فيه ، ولا يجوز حدوثه الا ويحصل للمحل به الحكم الّذي يوجبه . وقد علمنا أن زيدا إذا قصد إلى المشي والبناء ، وقعا لا محالة . ومتى حصل للمحل الّذي يفعل ذلك فيه الحكم .
الّذي يوجبه الحركة والتأليف ، فلو كان حادثا من قبل فيه لم يصح ذلك فيه ، ولو كان حادثا في غيره لم يصح أن يتحول إليه ، فنعلم أنه حدث الآن على الوجه الّذي قصد إليه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 64
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٤