تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
فأما المسبب ، فقد يفعله وغرضه خلافه بعد وقوع سببه ، ولا يمتنع كون ذلك فعلا له . فقد صح أن الفعل انما يصح من الفاعل ، لكونه قادرا عليه دون الدواعي ؛ وأن الّذي قلناه في النائم ، صحيح . ويبين ما قلناه : ان الدواعي التي هي الاعتقادات ، قد يكون تعلقها بما يستحيل وجوده من جهته ، كتعلقها بما يصح وجوده من جهته . ولو اقتضت صحة الفعل ، لحلت محل القدر في استحالة تعلقها الا بما يحدث من جهته فقط . يؤيد ذلك ، أن من حق القدرة أن تقتضى لجنسها صحة الفعل بها . فلو لم يصح ذلك فيها الا مع الدواعي ، لأوجب ذلك قلب جنسها . ولا يمكن أن يقال : ان من شرط صحة الفعل بها ارتفاع الموانع ، وذلك لأن الشيء انما يجعل شرطا في غيره متى دل الدليل على ذلك فيه ، والا فالواجب القضاء بحصول ما يقتضيه الشيء لجنسه ، حصل غيره أو لم يحصل . وانما جعلنا ارتفاع الموانع شرطا ، لأن وجوده يحيل الفعل ، ولم يثبت في ارتفاع الدواعي أنه يحيل الفعل ، فيجعل وجودها شرطا . وإذا جاز بقاء الفعل مع ارتفاع الدواعي ، فكيف يجعل شرطا في حدوثه ؟ وانما جاز ذلك في ارتفاع الموانع ، لما كان المنع يحيل وجوده على كل حال . وبعد ، فان الدواعي هي الاعتقادات ، واعتقاده أن له في الشيء / نفعا لا يغير حال المقدور ولا يوجب له حكما ليس له مع فقده ، واعتقاده هو فيه كاعتقاد غيره . فإذا لم يصح القول بأن اعتقاد غيره يؤثر في صحة وجوده ، فكذلك القول في اعتقاده . على أنه لو أثرت الدواعي في صحة وجوده ، لكانت الدواعي من جنس القدر ، لاشتراكهما في صحة وقوع الفعل بهما ؛ وفي هذا قلب جنس الدواعي ، وايجاب وقوع فعل واحد
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 54 | القاضي عبد الجبار الهمذاني