تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وقولهم : ان الفعل من حيث احتاج إلى فاعله ، وجب كونه مخالفا له ، كمخالفة الحركة للمتحرك . فليس ذلك بواجب في كل أمرين يحتاج أحدهما إلى صاحبه . لأن الحياة تحتاج إلى حياة أخرى ، مع تماثلهما . والجوهر قد يحتاج إلى جوهر آخر ، لتصير الجملة حية . وبعد ، فلو سلمنا أن الفعل يجب أن يكون مخالفا للفاعل ، لم يوجب ذلك صحة ما ذهبوا إليه من أنه يجب أن يكون مخالفا له في الحدوث والفعلية ؛ بل يجب أن يكون مخالفا له لذاته . وكذلك نقول فيه ، لأن ما كان فعلا للّه ، تعالى ، فهو مخالف له من حيث يختص هو تعالى بكونه قديما دونه . والقديم قديم لنفسه ، فما فارقه في هذه الصفة فيجب كونه مخالفا له ، وما كان فعلا لنا فهو مخالف لنا من حيث اختص الفاعل منا بأنه جواهر مبنية ، وأفعاله كلها أعراض . ومن حق الجوهر أن يكون مخالفا لما ليس بجوهر لنفسه ، ولا يجب أن يكون الفعل مخالفا لفاعله الا فيما يقع به الخلاف على الحقيقة من صفات الذات ، دون ما عداه . ومتى اعتبر في ذلك ما عداه من الصفات ، لم يصح ؛ لأنه يوجب أن يكون القديم مخالفا لفعله في الوجود ، وفي كونه قادرا وعالما وحيا . فإذا لم يجب ذلك من حيث كانت هذه الصفات ليست للنفس ، فالمشاركة فيها لا تخرج الفاعل من أن يكون مخالفا لفعله . فكذلك / مشاركة المحدث لفعله في الحدوث ، لا تخرجه من كونه مخالفا له ، فيما يرجع إلى نفسه . فان قال : اشتراك الأشياء في الحدوث يوجب تماثلها ، كما يوجب اشتراكها في القدم لو اشتركت فيه ؛ فلذلك قلت : ان الفاعل يجب أن يكون مخالفا لفعله .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 267 | القاضي عبد الجبار الهمذاني