لأن اعتراضه لا يصح الا بعد صحة ما نقدح به فيه . فان صح ، فقد سلم ما قلناه ، لأن صحته توجب سلامة ما اعتمدنا عليه ؛ وان فسد ، فقد زال الاعتراض به ؛ فهو ساقط على كل حال . وبينا أن هذا انما يصح من حيث ثبت أنه لا سبيل إلى اثبات القديم ، تعالى ، الا من حيث علم حاجة المحدثات إلى محدث قادر ، وعلم ثبوت محدث لا يجوز أن يفعله القادر بقدرة ، ولا يمكن العلم بذلك الا بعد العلم بأن تصرف الواحد منا يحتاج في حدوثه إلى محدث قادر .
وقد بينا أنه لا طريق للعلم بذلك الا هذا الوجه ، في باب قد تقدم .
فكيف يصح لهذا الطاعن أن يقدح في استدلالنا على أن تصرف زيد فعله ، بأنه وان وقع بحسب قصده : فجوّزوا أن يكون فاعله ، وفاعل القصد ، هو القديم تعالى . وبينا من قبل أنه ان سأل ، فقال جوزوا أن يكون المحدث ، لتصرفنا فينا بحسب قصدنا ، فاعلا آخر لا يحتاج في فعله إلى آلات ، ويصح أن يفعله فينا بحسب القصد ، وان لم تعرفوا القديم تعالى . / وتجويزكم لهذا يقدح في الدلالة ، كما يقدح فيها لو صح أن تعرفوا القديم تعالى قبل هذا الاعتبار . ولا يمكنكم دفع هذا التجويز ، لأن ما جاز أن يعلم بالعقل جاز أن يجوّزه العاقل فيتوهمه قبل الاستدلال عليه .
فالجواب عنه أن هذا المتوهم انما يجوّز كون هذا التصرف فعلا لذلك الفاعل ، بأن يعتقد حدوثه بحسب أحواله . وقد علمنا حدوثه بحسب حال زيد ، فكيف يقال : انه ليس بفعل له ؟ وطريق كونه فعلا له معلوم ، ويقال :
انه فعل لغيره ، وطريق كونه فعلا له متوهم ، فكيف يجوز أن يقدح التجويز والتوهم في دلالة قد ثبت وجه صحتها ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 17
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧