تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
وسقط بذلك التعلق بوقوع القبح منا إذا كان صغيرا ؛ لأنا انما نزيل الذم عنه فيه لعظم طاعاته ؛ وذلك لا يتأتى في فعله تعالى ، على ما بيناه . وجه آخر : لو كان تعالى هو المخترع لفعل العبد ؛ لوجب ، إذا خلق الكفر في الكافر ، أن لا يكون له عليه نعمة . لأن ما يختص به من الضرر يزيد على سائر احسانه إليه . ولأنه عندهم خلقه للنار ، على ما يتأولون عليه قوله تعالى :
« وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ »
« 1 » . فيجب أن لا يكون منعما على أحد من الكفار . ولا يصح أن يقولوا : انه منعم عليهم بنعم الدنيا من الحياة والشهوة والآلات . وذلك لأن جميع ذلك انما خلقه ، على قولهم ، ليستدرجه إلى ما خلقه له من الكفر . فيجب أن يكون غير معتد به ، بل يجب أن يكون ضررا إذا جعل طريقا للضرر ، وأن يكون بمنزلة اطعام أحدنا غيره خبيصا مسموما يؤدى إلى الهلاك . ولأن ذلك لو كان نعمة ، لو انفرد لوجب أن لا يكون نعمة إذا خلق الكفر فيه من حيث يوفى عقاب الكفر على ما يحصل فيه من النفع . فصح بذلك أنه لا نعمة على قولهم للّه ، تعالى ، على الكافر . وهذا بخلاف نص الكتاب ، لأنه تعالى قد بين في غير آية نعمه عليهم ، وعدّد ذلك ، وجعله مؤكدا للتوبيخ ، كقوله / تعالى :
« كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ »
« 1 » . وهو خلاف دين المسلمين ، لأنهم مجمعون على أن كل مكلف ، للّه عليه النعم العظيمة ، وأن نعمه عليه أزيد من نعمه على الحي الّذي لم يكلفه . ومن وجه آخر ، تلزمهم هذه الطريقة . وذلك أنه يجب أن لا يلزمهم أن
هامش
( 1 ) من الآية 28 البقرة .