كونه كذبا كأنه به من هذا الوجه . فيجب أن يكون كلا القسمين قبيحا بفاعله ، وان افترقا في الوجه الّذي ذكرناه . ولا يمتنع أن يكون الذم الّذي يستحقه على فعله ، وحاله ما ذكرناه ، أكثر من الذم الّذي يستحقه على القبيح الّذي لا يكون قبيحا ، وهو موقوف في ذلك على الدلالة .
والضرب الثاني ، ما يكون قبيحا ولا يتعلق قبحه بالفاعل ، كالجهل وغيره . وهذا القسم في أنه يستحق عليه الذم ، كالأول . لأنه وان لم يكن قبيحا وباختياره ، فإنه يمكنه أن لا يحدثه ، فلا يحصل على الوجه الّذي يقبح عليه . فمتى أحدثه وحصل من حيث أحدثه على الوجه الّذي يستحق الذم به ، صار وجه القبح كأنه معلق به من حيث كان تابعا للحدوث المتعلق به . ولولا كونه تابعا لما يتعلق به ، لم يستحق الذم به ، كما لا يصح أن يستحق الذم بما لا تعلق له به البتة ، كفعل غيره وكفعله في صفات نفسه .
ومتى حصل فاعل القبيح ملجأ إليه ومحمولا عليه ببعض وجوه الالجاء ، خرج من أن يستحق به سائر ما ذكرناه من الأحكام ، وصار ذلك الفعل كأنه فعل الملجأ من حيث فعل ما أوجب وجوده لأجله ولم يصح العدول عنه .
ولذلك قال شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه : انه تعالى لو ألجأ العبد إلى الجهل والكذب ، كان لا يستحق به الذم والعقاب ، ولكان مقدورا في فعله . وان كان الالجاء ، إذا لم يؤثر في الوجه الّذي له قبح ، لم يخرجه عن كونه قبيحا . ولذلك قلنا : ان نهيه عن هذا القبيح لا يحسن . وكذلك لا يحسن أمره بالحسن مع الالجاء . وهذا ، نحو الهارب / من سبع يقبل عليه ، يخشى أن يفترسه ؛ فلذلك صار ما يلحقه من الحكم كأنه فعل السبع ، فوجب العوض عليه ، على ما نشرحه في كتاب العوض . فصار
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 172
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧٢