الذم بالقبيح الواقع منا ، لم يصح تقدير ذلك في القديم تعالى لو فعل القبيح ، ولما صح بمدحه بأنه لا يظلم ولا يفعل القبائح ، ولا صح أن ينزّه نفسه عن ذلك ولا أن ننزّهه عنه ، ولبطل معنى التسبيح والتقديس والتحميد في أسمائه ؛ وكل ذلك يبطل ما يقوله المجبرة . لأن ذلك يوجب زوال الذم والمدح عن الشاهد ؛ وفي زوالهما ، زوال ذلك عن الغائب . وفي ذلك ابطال ما عرفناه من أحكام الأفعال ، وفيه ابطال التكليف أصلا ، فضلا عن أن يتكلم في أحوال المكلف وأفعاله .
وهذه الجملة كافية في بيان أحكام ما يقبح من الأفعال .
فأما الحسن فإنه يستحق به المدح إذا كان على صفة نحو أن يكون احسانا إلى الغير ، أو مؤديا إلى نفعه ، أو تمكينا له من الوصول إلى نفع مخصوص ، أو أن يكون مما فيه صلاح فيما كلفه مسهلا له ؛ وهذا نحو النوافل التي يفيدنا بها . وقد يستحق المدح على ما يجب ايصاله إلى الغير من النفع ، كالثواب واللطف وغيره ، وعلى ما يلزمنا فعله من الواجبات على اختلافها في وجوه وجوبها . فكل ذلك مما يستحق بفعله المدح ، وان كان لا يستحق به ذلك دون أن يفعله الفاعل على وجه مخصوص . ومتى فعله لشهوة أو لغرض ، سوى ماله وجب أو حسن في العقل ، لم يستحق به مدحا .
وحكمه في أنه ينقسم : ففيه ما يحصل / كذلك بالفاعل ؛ وفيه ما لا يحصل كذلك به ؛ كالقول فيما قدمناه ، وكذلك في أكثر ما سبق القول فيه .
ويستحق الواحد منا الثواب على ذلك من حيث فعله على وجه يشق عليه فعله ، أو يشق عليه فعل سببه ، أو لأنه عدل به عما هو أشهى إليه منه ، فيصير أنه قد لحقته مشقة . ولذلك لا يستحق تعالى الثواب على فعل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 175
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧٥