الضرورة ما يفعله القادر في غيره ، على وجه لا يمكنه الامتناع منه . ولذلك لا يقال : ان الطفل قد اضطر زيدا . وقال في نقض الفصوص وغيره : المضطر لا يكون مضطرا إلى ما يفعله فيه من هو أقدر منه ، ويفعل أكثر من مقدوره . ولذلك يوصف المفلوج بأنه مضطر ؛ ويخصون بهذا الوصف الحىّ دون غيره . ولا يصفونه بذلك فيما لا يقدر عليه إذا فعله غيره كالألوان . قال : وذلك اصطلاح المتكلمين ، والا فعند أهل اللغة المضطرّ هو الملجأ . ولذلك قال تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
« 1 » . فإذا اشتد به الجوع لا يحصل فيه أكل الميتة من فعل غيره ، وانما يحصل ذلك من فعله . ولذلك كتب يحيى بن يعمر إلى الحجاج : « انا اضطررنا العدو إلى عرعرة من الجبل » .
وانما خالف المتكلمون أهل اللغة في ذلك ، لأنهم لم يجدوا اسما لمن فعل فيه الشيء ، كما وجدوه لمن على الشيء . فجعلوا قولنا : مضطر ، موضوعا له . ونحن نختار ما عليه أهل اللغة ، لأن خلافه يوجب أن الأفعال كلها ضروريات من حيث حلت في محل ليس هو الفاعل ، وكان يجب أن يكون المحل هو المضطر حتى تكون يد الانسان مضطرة إلى الحركة ؛ وهذا بعيد .
وكان أبو علي ، رحمه اللّه ، يقول في الضرورة : انه ما يفعله الانسان في غيره ، كان قادرا على مثله أو لم يكن . وعلى الوجه الّذي حددناه أولا لا يكون مضطرا الا وهو قادر ، وان لم يكن قادرا على نفس ما اضطره إليه . فإذا جعل بمعنى الالجاء ، فيجب كونه قادرا على نفس ما اضطر إليه .
هامش
( 1 ) من الآية 173 البقرة .