وكل ذلك يبيّن صحة ما ذكرناه من أن العلم بوقوع تصرف زيد بحسب قصده يعلم باضطرار .
فأما دواعيه ، فإنما نعنى به الاعتقاد والظن ، وذلك مما نعلمه من غيرنا عند تصرفه ، وان كنا لا نعلمه عالما ، ولم نرد ذات الاعتقاد ، وانما أردنا كونه ظانا ومعتقدا . وقد ذكر ذلك شيخنا أبو علي رحمه اللّه في نقض المعرفة ، ولم يخالفه شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه .
وليس لأحد أن يقول : انما نعلم دواعي زيد في فعله استدلالا بقصده من حيث علم أن ما دعا إلى الفعل يدعو إلى الإرادة ؛ فيعلم بذلك أنه قد اعتقد فيه نفعا أو دفع ضرر . وذلك لأن علم الانسان بدواعى غيره قد يكون في الظهور كعلمه بمقاصده . فلو جاز أن يقال في ذلك أنه مكتسب ، لجاز مثله في القصد ؛ ولم يكن بأن يقال انا نستدل بقصده على دواعيه ، أولى من أن يقال انا نستدل بدواعيه على قصده . ولا يجب من حيث كان العلم بكونه قاصدا ، أظهر اخراج العلم بالدواعي من أن يكون ضروريا .
لأن العلوم الضرورية قد تتفاوت في الجلاء ، ولا تجرى في الظهور على طريقة واحدة . / فكما لا يجوز أن نحكم فيما نزل عن مرتبة المشاهدات في الجلاء بأنه مكتسب ، فكذلك القول فيما ذكرناه . وإذا صح ما قدمناه ، صح أن نعلم باضطرار استحالة كون الجماد ، وهو على ما هو عليه ، قاصدا ومفارقا للمختار .
ولذلك نعلم باضطرار تعذر المشي من الزّمن ، بل من المقيد بالقيد الثقيل إذا كان مانعا من المشي أو السعي . ولولا ذلك لما فرغ العقلاء في منع غيرهم من التصرف إلى التقييد بالقيود الثقيلة ، ولكان يجوز أن يشكل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 10
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠