أنكر المشاهدات ومفارقة بعضها لبعض فيما تفترق فيه . ويبيّن ذلك أنه يعلم وقوع تصرف نفسه بحسب قصده ودواعيه ، وانتقاءه بحسب دواعيه .
وبالاختيار يعلم أن حال غيره كحاله ، لا بأن يحمله على نفسه في هذه القضية قياسا ، بل يحصل له العلم بذلك ضرورة . وهذا كما يعلم مقاصد من يخاطبه بخطابه إذا اختير ، وان كان يعلم ما يعنيه بخطابه اضطرارا من غير اختيار .
وبعد ، فلا طريق للعلم بمقاصد من نشاهده الا العلم الضروري ؛ لأنه لا مجال للاكتساب فيه من حيث كان الفصل بمحرزه ، ولا بوقوعه على وجه يدل عليه ابتداء . وانما يصح أن يستدل بصيغة الخبر الوارد عن اللّه تعالى / على أنه مريد ، بعد المواضعة والعلم بالمقاصد في الشاهد باضطرار ؛ ولولا ذلك لما صح أن يستدل به . ومن شرط صحة الاستدلال به أيضا أن يكون فاعله حكيما ، وذلك لا يتأتى في الشاهد ، فلو لم يكن طريق معرفة مقاصد المخاطب وغيره الاضطرار ، لما صح أن يعرف ذلك في الشاهد البتة . وفي حصول العلم بذلك دلالة على صحة ما قلناه .
وبعد ، فان العقلاء على اختلاف أحوالهم لا يدفعون العلم بتعلق تصرف الفاعل المختار به ووقوعه بحسب قصده ، وانما يختلفون في مرتبة تأتّيه ، فمنهم من يقول : انه محدثه ، ومنهم من يقول : انه مكتسبه ، ومنهم من يعلقه بالطبع ، ومنهم من يزعم أن اللّه تعالى أحدثه بحسب قصده . فأما أن يدفع أحد منهم بوقوعه بحسب قصده ، فلا فرق بين أن يقال في ذلك ، وحاله ما قلناه انه ليس بضروري ، وبين أن يقال مثله في سائر الضروريات من المشاهدات وغيرها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 8
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨