من يتعذر الفعل عليه لمن يصح منه الفعل ، على ما حكيناه من قبل . حتى قالا في قصة عيسى صلى اللّه عليه : انه لا بد من أن يكون تعالى قد اضطره في حال اكماله عقله إلى هذه الأمور ، حتى صحّ / أن يستدل فيعرف اللّه تعالى بتوحيده وعدله ، وصح عند ذلك أن يبعثه نبيا .
وقد بينا من قبل أن الّذي يجب أن يعتمد أنا نعلم باضطرار مفارقة الفاعل للجماد ، في الوجه الّذي نعلم من حاله باضطرار وهو صحة قصده إلى تصرفه ووقوعها بحسب قصده . فأما ما لا يعلم من حال الفاعل منّا الا بالاستدلال فهو أن العلم الضروري بأنه مفارق فيه للجماد بحال محال ، لأن اثبات تلك الصفة للمريد منا إذا لم يعلم الا باكتساب ، فكيف يعلم باضطرار انتفاءها عن غيره ؟
ومن حق العلم بانتفاء الصفة عن الشيء أن يكون كالفرع على العلم باثباتها لمن تثبت له ، وعلى العلم بكونها معقولة . ولهذا الأصل ، لا يصح أن يعلم عدم الشيء الا بعد حصول العلم بحقيقة الموجود ، ومفارقة هذه الصفة لغيرها . ولهذا قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه : انه يبعد أن يعلم عدم المعدومات باضطرار ، وانه لا بد فيه من تأمل واستدلال . ونعلم أيضا عند التجربة والعادة في تصرف زيد الواقع بحسب قصده وارادته أنه لو لاه لما كان . لأنا لو لم نعلم ذلك ، لم نعلم انتفاءه بحسب دواعيه ولما علمنا أنه إذا أثر ضد الشيء لم يوجد ، ومتى انصرف عن الشيء لم يقع .
ومن أنكر في هذا العلم أن يكون ضروريا ، فهو كمن أنكر أن العلم بوقوع التصرف بحسب قصده على طريقة واحدة ضرورىّ . ومن أنكر الأمرين فهو كمن أنكر العلم بمفارقة المختار للجماد فيما يتصرف فيه ؛ وكمن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 7
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧