وليس لأحد أن يقول : ان ما ادعيتموه ظن وليس بعلم ، لأن ذلك يطرق على قائله القول بأن كل ما نعلمه من المشاهدات مظنون ، وان بلغ في الوضوح النهاية ؛ وفي هذا ارتكاب مذهب أهل العنود . وليس لأحد أن يقول : لو كان العلم بتعلق تصرف زيد به ضروري على ما ذكرتم ، لوجب أن لا تخفى مقاصد أحد في أفعاله وأقواله ، لأن طرق العلوم الضرورية تشيع ولا تختص كالادراك . فإذا بطل ذلك علم فساد ما ادعيتموه .
وذلك لأن الوجوه التي منها تقع العلوم الضرورية قد تختلف ، فمنها ما يصير طريقا للعلم موجبا في العاقل ، كالادراك ؛ ومنها ما تختلف الحال فيه بعادة وغيرها ؛ والعلم بالمقاصد من هذا القبيل . فلا يمتنع من العاقل أن يورّى في القول ويعمّى في الفعل فلا يعلم قصده ؛ ولا يمنع ذلك من معرفة مقاصده في سائر تصرفه ؛ وذلك مما نعلمه من حالنا وحال غيرنا .
وعلى هذه الطريقة يصح من المكره على كلمة الكفر التعريض والتعمية .
ولولا ذلك لما جاز أن يصح عند الاكراه اظهار ذلك ، ولكان المكره كالملجإ ، ولما صح التواضع على اللغات وما يتبعها من كتابة وغيرها ، / لأن طريق ذلك الاضطرار إلى قصد المشير . بل كان يجب أن لا يفهم أحد عن أحد مراده بالخطاب عند الغيبة ، بل عند المشافهة . ولما صح أن نعرف بالاخبار شيئا ، لأن العلم بذلك تابع للعلم بقصد المخبر ، ولذلك لا يقع العلم بخبر المجّان ومن لا يصح له قصد ، وفي ذلك ابطال أمور الدنيا فضلا عما طريقه الدين . ولولا أن الأمر على ما ذكرناه لما صح أن يعلم أن المتحرك كان يجوز كونه ساكنا بدلا من كونه كذلك ، لأنا انما نعتمد في ذلك على أنه لولا اختيار المتحرك لبقى ساكنا ؛ ولو لم تصح هذه الطريقة ، لما صح العلم بحدوث الأجسام وغيرها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 9
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩