يبين ذلك أن ما لا يوجب في العقل مثل الموجب في هذه القضية ، لأنا إذا علمنا أن الفعل يتولد عن سبب ، لم يصح أن تثبت في حدوثه سببا ثانيا ، وان لم يكن بمنزلة العلل في الايجاب . فإذا علمنا كون الضرر قبيحا من حيث كان ظلما ، فالقول بأنه يتعلق قبحه بأمر آخر لا يصح وان لم يكن هناك له ايجاب ، وهذا يبطل ما تعلق به .
ومما يبين صحة الدليل ، أن هذا الحادث يجب أن يحصل بحسب أحوال زيد ، فإن كان عالما صح وقوعه محكما ويقع على بعض الوجوه بإرادته ، فاعتبر في كيفية حدوثه حاله ، كما اعتبر في كيفية وجوب الصفة عن العلة حالها ، / وصار وجود غيرها كعدمه في أنه لا يخل بحصول ما يوجبه . وكذلك وجود غير هذا المحدث كعدمه في أنه لا يخل بحدوث ما يحدثه ، فيجب أن لا يكون له محدث سواه ، كما لا يكون للصفة الموجبة عن العلة علة سواها .
فان قيل : ان زيدا لا يجوز أن يحدث تصرفه الا والقديم ، تعالى ، موجود يصح أن يحدثه أيضا ، فصح القول بأنه حادث منهما ، وان استحال ذلك في العلة ، لأن زيدا قد يعلم الشيء عند وجود علمه ، وان عدم كل أمر يصح أن يكون له به تعلق .
قيل له : ان ذات القديم ، سبحانه ، لا تقتضى حدوث تصرف زيد ، لأن القول بذلك يخرج التصرف من أن يكون له به تعلق . وانما يمكن أن يقال : انه يحدث قصده ، تعالى ، وقد علم أن وجوده واجب عند قصد زيد وان لم يقصد القديم ، تعالى ، إليه ، كما يجوز حدوثه وان لم يقصد سائر القادرين إليه . فإذا صح ذلك ، وجب القضاء بأن سبيله في ذلك سبيل العلل ، وصح ما اعتمدنا عليه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 127
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٧