والحال هذه ؟ قيل له : إن الفعل ، وإن صح من القادر في الحقيقة ، فمن حق العالم / بجميع أفعاله أن لا يفعله إلا لغرض . فإذا وجب ذلك فيه ، فلو كان معه تعالى ثان ، لأدى إلى ما قلناه ، لأنه لا يصح أن يفعل أحدهما الشيء إلا لعلمه بأنه على صفة تقتضى إيجاده ، ومتى وجب ذلك لم يصح من الآخر أن يكون غرضه خلاف ذلك ، وفي هذا إيجاب ما قدمناه من التباس حال القادرين بحال قادر واحد .
فإن قيل : إنما يجب في القادرين أن تختلف دواعيهما إذا تغاير مقدورهما .
ويجب لو كان معه تعالى ثان أن يكون مقدورهما واحدا ، فلا يجب ذلك فيهما .
قيل له : هذا يؤكد الدلالة ؛ لأنه يوجب أن لا يتغابر فعلهما ولا تختلف دواعيهما ، وهذا في أنه يوجب التباس حالهما بحال قادر واحد آكد .
واعلم أنه لا يمتنع تساوى الفعلين الضدين في الصلاح ، وإذا لم يمتنع ذلك .
فلو كان معه ثان ، كان لا يمتنع أن يحاول أحدهما إيجاد فعل ، ويحاول الآخر إيجاد ضده ، لعلهما بتساويهما في الصلاح والحسن ، وهذا يوجب انفصال حالهما من حال قادر واحد ، لأنه قد اختلف غرضهما في الفعل كما ترى . على أن الفعل الحسن ، إذا لم يحصل له صفة زائدة على حسنه ، أو على كونه إحسانا ، فلفاعله أن يفعله ، وله أن لا يفعله . فإذا صح ذلك ، لم يمتنع من أحدهما أن يريد إيجاد فعل حسن ، ومع علم الآخر بحسنه لا يريد فعله ويريد فعل ضده إذا كان بمنزلة .
على أن القادر لا يمتنع أن يفعل الصلاح وغيره ، والحسن والقبح ، ويصح ذلك منه وإن كان لا يختاره ، فلو كان معه / ثان ، لكان لا يمتنع أن يحاول أحدهما إيجاد الشيء ، ويحاول الآخر ضده ، وإن اختلفا في الحسن والقبح ، وأنهما لا يختارانه ، لا يخرجهما من صحة ذلك فيهما . ومتى صح ذلك فيهما ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 315
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣١٥