فإذا استحال كون أحد القديمين أقدر من صاحبه ، وجب أن يستحيل إثبات قديم ثان ومتى سلك به مسلك الاعتبار استقام الكلام وانفصل حاله من حال ما قدمناه .
وقد ذكرنا طرفا من هذا الكلام في ( شرح الجامع الصغير ) بأشد من هذا الاستقصاء ، وفيما ذكرناه مقنع في إسقاط ما سأل عنه .
فإن قيل : ما أنكرتم أنه لو كان معه جل وعز ثان وتمانعا ، لكان الصحيح أنه لا يوجد مرادهما جميعا ؛ لأنهما إذا كانا قادرين لأنفسهما ، فليس مراد أحدهما بالوجود أولى من مراد الآخر ، فالتمانع بينهما لا يصح أصلا ، وفي ذلك إبطال ما اعتمدتم عليه ؛ لأنكم نفيتم الثاني من حيث / وجب أن يكون أحدهما مانعا لصاحبه ، فإذا لم نقل بهذا القسم ، فما اعتمدتموه ساقط .
قيل له : إن امتناع وجود مرادي القادرين ، مع أن الداعي قد دعاهما إلى الفعل ، يقتضي كون كل واحد منهما مانعا لصاحبه ، ويوجب ضعفهما جميعا ، وتناهى مقدورهما ، لأنه لو كان أحدهما أقدر ، لوجد مراده ، ولو لم يتناه مقدورهما لم ينتهيا إلى حد إلا وفي مقدورهما أكبر منه ، فكان لا يصح أن يمتنع على كل واحد منهما الفعل .
ولهذا قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه : إن التمانع لا يصح بين القادرين لأنفسهما ؛ لأنهما إن تمانعا بقدر ، وفي مقدورهما أكثر منه ، لم يصح ، لأن من حق التمانع أن يقتضي القصد إلى إيجاد ذلك الشيء على كل وجه ، ولا يصح أن يدعوه الداعي إلى إيجاده ، ويقدر على ذلك ولا يفعله ؛ وليس لما لا يتناهى حد فيقال إنه قد حصل ممنوعا بذلك الحد ، أو مانعا لمثله به ؛ وإن تمانعا بجميع ما يقدران عليه ، استحال لاستحالة خروج ما يقدران عليه إلى الوجود ، ولا يصح أن يمنع المانع مما يستحيل وجوده ؛ فإذا صح ذلك ، ثبت أن التمانع
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 294
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٩٤