ما ذكرتموه ، ويبين بطلانه . قيل له : إن ما يدل على حال الفاعل على قسمين :
أحدهما يدل على حال لكونه عليها يصح ذلك منه ، والثاني يدل على حال لكونه عليها يختار الفعل أو لا يختاره ، فطريق الدلالتين يختلف ، فما دل على حال الفاعل والمعلوم ، لولا كونه على تلك الحال لما صحت الدلالة ، ولما قدر على إيجادها ، فصحة وجودها منه كوجودها فيما يدل / عليه على ما رسمناه في دلالة المنع والفعل ، وأن صحة ذلك كوقوعه فيما يدل عليه . وأما ما يدل على حال يحصل منها اختيار الفاعل فمحال لذلك ، ولا تقوم القدرة عليه مقام وقوعه في باب الدلالة .
يبين ذلك أن الواحد منا يقدر على الظلم ، ويصح ذلك منه ، ولا يدل ذلك على كونه جاهلا أو محتاجا كدلالة وقوعه . وإذا افترق حال الأمرين ، لم يصح الاعتراض بأحدهما على الآخر . يبين ذلك أن الفعل إذا دل على كونه قادرا ، فالقول بأنه يصح منه وليس بقادر يتناقض ؛ لأنا إذا قلنا يصح ذلك منه ، فقد نبهنا على أنه على حال لكونه عليها يصح ذلك منه ، ولو لم تقتض صحة الفعل منه ذلك ، لم تقتض وقوعه أيضا ؛ لأنا إنما نقول إن وقوع الفعل يقتضي كونه قادرا من حيث كان ينبئ عن صحة وقوعه من جهته ، وصحة وقوعه تقتضى كونه قادرا ، ولذلك نحيل صحة الفعل منه في حال ليس هو فيها قادرا ، ونجيز وقوع الفعل وإن كان قد خرج من كونه قادرا .
وكذلك القول في المنع أنا متى قلنا إنه يصح أن يمنع من غير أن نثبته أقدر ، كان ذلك نقضا لدلالة وقوع المنع على كونه أقدر ، وليس كذلك حال وقوع الظلم ؛ لأنا إذا قلنا إن صحة وقوع الظلم منه لا تدل على كونه جاهلا محتاجا ، لم ينقض ذلك دلالة وقوعه من جهته على كونه كذلك ، وهذا يبين لك اختلاف حال هذين القسمين في الدلالة . فصح / القول بأنه تعالى قادر على ما إذا فعله كان
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 289
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨٩