كونه قادرا عليه ، كما أن عدم الشيء يحيل كونه مدركا له ؛ ولذلك لا يصح من الواحد منا أن يعمد إلى إيجاد ما قد أوجده ، كما لا يصح أن يوجد مقدور غيره ، ولو صح منه إيجاد ما قد أوجده . كان لا يمتنع أن يحمل الجسم الثقيل من مكان إلى مكان لم يوجد ما قد أوجده فيه من الحمل ، ويلحقه من المشقة ما لحقه أولا ، وإن / لم يحصل فيه غير الّذي كان فيه ، بل كان يجب أن يتبين القادر منا حال نفسه إذا قصد إلى أن يفعل في الجسم الثقيل الحمل من وجهين ، ومفارقته لحاله إذا حدث ذلك من وجه واحد . وفي علمنا بفقد ذلك دلالة على فساد هذا القول ، وكان يجب أن يصح من القادر منا أن يحدث ثانيا ما قد أحدثه أولا من الحمل ، وذلك يؤدى إلى أن يصح من غيره إبطال ما قد فعله من حيث هو باق ، وإن تعذر عليه إبطاله من حيث هو حادث ، وذلك يوجب حدوثه وبطلانه في حالة واحدة ، ويؤدى إلى جواز وجوده ووجود ضده ؛ لأنه إذا صح أن يحدثه من وجهين ، لم يمتنع أن يضاد ما يضاده من أحد الوجهين دون الآخر .
وكل ذلك يبين أن حدوث الشيء من وجهين من جهة قادر واحد لا يصح ، وإذا لم يصح ذلك من جهة قادر واحد لم يصح من جهة قادرين ، لأنه لو صح حدوث الشيء من وجهين من وجهتهما ، لوجب كونهما قادرين عليه بقدرتين ؛ لأن ما يختص به أحدهما من القدر لا يجوز أن يختص الآخر به ، فكان لا يمتنع وجود القدرتين في قادر واحد . فإذا صح فساد ذلك في القادر الواحد ، وجب مثله في القادرين .
على أن أحد القادرين لو أوجد مقدوره من أحد الوجهين ، وقد علم أنه كان يصح من الآخر أن لا يوجده من الوجه الآخر ؛ لأنه لا يصح أن يقال إن اتحاد أحدهما يتعلق بإيجاد الآخر على وجه لا يصح خلافه ، فكان يجب إذا لم يوجده
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 257
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٧