فصل في أن المقدور الواحد لا يجوز أن يكون مقدورا لقادرين على وجه
اعلم أن هذا الأصل لا بد من معرفته في الدلالة على أنه تعالى واحد ؛ لأن الأدلة المعتمد عليها في ذلك أجمع مبنية عليه ، ولا يصح تصورها إلا به ، فلذلك قدمناه ، وإلا فقد كان من حقه أن يذكر في أبواب العدل . ونحن نشرح القول فيه لئلا نحتاج أن يعاد فيما بعد ، ونؤخر ما يختص الكلام في أن المقدور الواحد لا يجوز أن يكون مقدورا لقادرين على وجهين إلى موضعه ، لتعلق ذلك بالكلام في الكسب .
والكلام في هذا الفصل يشتمل على أشياء : منها أن المحدث لا يجوز كونه محدثا مخترعا من وجهين ، ولا يصح أن يحصل له بالوجود والحدوث إلا حالة واحدة ؛ ومنها أن الكلام في أن الفعل إنما يحصل فعلا لفاعله بأن يوجد ، وقد كان قادرا عليه ؛ ومنها بيان حال الفاعل مع فعله ، وأنه يجب وجوده متى قصد إليه وقويت دواعيه إلى إيجاده ، ويجب عدمه مع كرهه ، وقويت دواعيه إلى الانصراف عنه ، وإلى فعل تركه ، وثبوت هذه الجملة يكشف الكلام في أن المقدور الواحد لا يجوز أن يكون مقدورا لقادرين .
والّذي يدل على أن المحدث لا يجوز كونه مخترعا من وجهين ، أنه لو صح ذلك فيه ، كان لا / يمتنع أن يحدث على أحد الوجهين دون الآخر ، ويجرى وجها الحدوث فيه مجرى فعلين ؛ لأنه لا يمكن أن يقال إن لأحد الوجهين تعلقا بالآخر على وجه يقتضي أن لا يحصل إلا وهو عليها جميعا ؛ لأن ذلك يؤدى