فصل في أنه لا يجوز عليه تعالى الموانع المعقولة ، ولا يصح ادعاء مانع مجهول لأجله لا نراه ، وما يتصل بذلك من حصر الموانع
اعلم أن ما لا نراه ينقسم : فمنه ما لا نراه لمانع لولاه لصح أن نراه ، ومنه ما لا نراه لأنه في ذاته لا يرى ، كما أن ما يتعذر علينا فعله ينقسم : فمنه ما يتعذر فعله لمانع لولاه لصح أن نفعله ، ومنه ما يتعذر علينا إيجاده لأنه ليس بمقدور لنا .
فكما لا بد من فصل معقول بين ما يتعذر فعله لمانع ، وبين ما يتعذر لكونه غير مقدور لنا ، فكذلك لا بد من فرق معقول بين ما يتعذر علينا رؤيته لمانع وبين ما يتعذر لأنه في ذاته لا يرى .
وقد بينا من قبل فساد القول بأن جميع الأشياء يصح أن يرى ، فليس لأحد أن يقول : لا وجه لطلب الفرق بين ما ذكرتموه من الأمرين ، لأن / جميع ما لا نراه يصح أن نراه ، كما لا يصح القول بأنه لا وجه لطلب الفرق بين الأمرين فيما يتعذر علينا فعله لبطلان القول بأن جميع الأشياء يصح أن نقدر عليه . فإذا ثبت ذلك ، فقد علمنا أن ادعاء مانع مجهول لا يصح ، لأن القول بإثبات مانع مجهول يجرى في الفساد مجرى القول بإثبات مانع مجهول لا يصح لأجله منا فعل الأجسام والأعراض التي يختص القديم تعالى بالقدرة عليها ، ويؤدى إلى جواز دخول قلب الأجناس تحت المقدور وإن لم يصح منا فعل ذلك لمانع مجهول ، ويؤدى إلى إبطال القول بتضاد الضدين ، وباستحقاق المدح والذم والشكر على الأفعال ، وأن يقال إن ما لا يتضاد في حكم المتضاد وإن افترق الحال فيهما الآن ،