تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد الجسماني — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
الجواب : وقد أجاب عنه صدر المتألهين بما هذا لفظه : ( هو أن يقال على منهج أبحاث المتألهين وطريقة أنظار السالكين إلى الله تعالى بأقدام المعرفة واليقين : إن حجتكم هذه مبنية على أن للجنّة وللنار مكانا من جنس أمكنة الدنيا هذه ، لكن أصل إثبات المكان على هذا الوجه للجنّة والنار باطل ، فالشبهة منهدمة الأساس منحسمة الأصل ، ومما يوضح ذلك حسب ما مضت الإشارة إليه ، أن عالم الآخرة عالم تام لا يخرج عنه شيء من جوهره ، وما هذا شأنه لا يكون في مكان ، كما ليس لمجموع هذا العالم أيضا مكان يمكن أن يقع إليه إشارة وضعية من خارجه أو داخله ؛ لأن مكان الشيء إنما بحسب نسبته وإضافته إلى ما هو مباين له في وضعه خارج عنه في إضافته ، وليس في خارج هذه الدار شيء من جنسه وإلا لم يوجد بتمامه ، ولا في داخله أيضا ما يكون مفصولا عن جميعه إذا أخذ من هذه الحيثية ، فلا إشارة حسية إلى هذا العالم عند أخذه تاما كاملا ، لا من داخله ولا من خارجه ، فلا يكون له أين ووضع ، ولهذا المعنى حكم معلم الفلاسفة بأن العالم بتمامه لامكان له ، فقد اتضح أن ما يكون عالم تام فطلب المكان له باطل ، والمغالطة نشأت من قياس الجزء على الكل ، والاشتباه بين النقص والكامل ، ثم على سبيل التنزّل عن هذا ، لو سأل : هل الدار الآخرة مع هذه الدار منتظمتان في مسلك واحد والمجموع عالم واحد ، فحينئذ يكون طلب المكان لهما صحيحا ، أو كل منهما عالم بتمامه مباين الجوهر والذات للآخر غير منسلك معها في سلك واحد لا يجعلها دارا واحدة ، فحينئذ طلب المكان لهما غير صحيح ، وإن تعلم أن الحق هو الثاني إلّا أن يراد بكونهما ضربا آخر من الوحدة ، فإن العوالم والنشآت متداخلة في المعنى والقوام لا في الوضع والامتداد مع كون كل عالم منهما تاما ، فإن الدنيا والآخرة لو لم يكونا عالمين تامين ، فلا يكون في الوجود عالم تام ؛ لأن المجموع ليس منتظما في سلك واحد إلا بأن يكون أحدهما باطنا والآخر ظاهرا ، فلا محالة كل منهما عالم تام