تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد الجسماني — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري ، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي ، لا باختياري وحيلتي ، حتى انحلت عني رابطة التقليد ) . « 1 » والسبب الثاني الذي دفع بالغزالي لانتخاب هذا اللون من المعرفة هو نبذه للطرق الأخرى ؛ لإحساسه بشائبة التقليد للغير فيها ، وما كان هذا حاله لا يمكن أن يدرك الحقيقة ؛ لأن الذي يصده عن الوصول إليها هو اتباعه للغير وتقليده في كل ما جاء به ، عن تحقيق أو بلا تحقيق ، فمثل هذا قد أصمه عن الحق اتباعه لذلك الغير ، فقد قال فيه : ( فالحقيقة لا يمكن أن يصل إليها الإنسان عن طريق تقليد الآخرين ، مهما كانوا هؤلاء الآخرين ) ، « 2 » وعليه فإن طريق الذوق ليس فيه هذا الأمر ، بل الإنسان فيه حرفي فكره غير مقلد لغيره ، بل أكثر من ذلك فهو فيه حر حتى من أهوائه وعواطفه وغرائزه ، وإلّا بقي سجين هذه الدار ، فلا يرى ما هو خارج عنها ، وعندئذ لا يتحقق لها معرفة بالواقع وحقائق الأمور التي يسعى لطلب معرفتها . أقول : وليت الغزالي اتبع الحق كما جاء به الحق ، لقوله تعالى :
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
. « 3 » وختاما نقول : لم يكن غرضنا هنا مناقشة كل ما جاء به الغزالي ، نعم هناك ثمة مناقشة مختصرة رأينا من الضروري القيام بها ، وسنوافيك بها في المبحث اللاحق .

2 . في مناقشة المنهج العلمي للغزالي

مما تقدم تبيّن لنا أنّ نقده وتقييمه للأساليب العلمية المتبعة من قبل بعض المدارس الإسلامية فلسفية ، أو كلامية ، أو عرفانية كانت ، عدم الاعتدال فيها ؛ لأنا تارة نجده مادحا وأخرى ذامّا ، وفي الوقت الذي يكون فيه ذامّا نجده متبعا لطريقتهم ، وفي
هامش
( 1 ) . أبو حامد محمد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج 3 ، ص 406 ( 2 ) . أبو حامد محمد الغزالي ، المنقذ من الضلال ، ص 18 ( 3 ) . يونس ، 35
المعاد الجسماني — صفحة 117 | شاكر الساعدي