التناقض الثاني : قوله لا يجوز أن يكون أجزاء القول الشارح لمعنى اسمه ، يدل كل واحد منهما على شئ [ هو في الوجود ] دون الآخر بذاته في الوجود .
ومطلق قوله : واجب الوجود بذاته ، مشتمل على ثلاثة ألفاظ : واجب ووجود ، [ و ] بذاته . ويدل كل لفظ على معنى غير ما يدل عليه اللفظ الثاني .
وعن هذا صحت القسمة ، بأن يقال :
الوجود ينقسم إلى واجب ، وإلى ممكن .
ثم ، الواجب ينقسم إلى ما يكون واجبا بذاته ، وإلى واجب بغيره « 1 » .
ولا محالة يفيد كل قسم غير ما يفيده القسم الثاني . ويدل على شئ هو في الوجود غير ما يدل عليه الثاني .
وذلك تناقض ظاهر « 2 » .
ومن العجب أنه يقول : ليس لواجب الوجود أجزاء كمية كالجسم المركب من هيولى وصورة ولا أجزاء حد كالمركب من جنس وفصل . ولا أجزاء عموم وخصوص كاللونية والبياضية « 3 » .
هامش
( 1 ) مكتوبة في الأصل : لغيره .
( 2 ) قد يبدو أن هناك تناقضا ظاهرا في اللفظ ، حيث قسم ابن سينا الواجب إلى واجب بذاته وواجب بغيره ، وهو في كلتا الحالتين واجب سواء كان بذاته أم بغيره . لكن المعنى المقصود بالواجب بذاته يختلف عن الواجب بغيره . ففي حين أن الأول مستقل في وجوده ، غير مفتقر إلى موجد آخر يوجده ، نجد الثاني لا يجب ولا يتحقق له الوجود إلا بالواجب بذاته ، فهو ممكن الوجود ، مفتقر إلى غيره في وجوده . فإذا وجد ، كان وجوده بغيره ، وصار واجب الوجود - أي متحقق الوجود - بغيره لا بذاته .
وهذا يذكرني بالذين يقولون إن الكذب منه ما هو أبيض نافع ، ومنه ما هو ضار ، على الرغم من أننا في كلتا الحالتين نسميه كذبا . ولكن المعنى أن الكذب إذا أريد به خيرا ، فهو نافع . وإن أريد به شرا ، فهو ضار . فالمعنى مفهوم ومقبول ، واللفظ متناقض ومرفوض ، كذلك الواجب بذاته والواجب بغيره .
( 3 ) مكتوبة في الأصل : الليونية .